.....الكتابة: تصريف لفعل الندم في أزمنته المختلفة

من أوّل الحِكَمِ التي سَمِعْتُها طِفلاً وظلّت تنغّص عليّ شبابي وكهولتي ولم تغادرني أصداؤها حتّى الآن، قول جدّتي ذات يوم قديم وقد أحنت ظهرها على حافة البئر العاطلة، هناك، قرب نخلة الغرباء: "لا تضحك كثيرًا يا ولدي، فالضحك يخلّف البكاء". لم تكن تعرف المسكينة أنّي سأرى حكمتها في المرايا منذ تلك اللحظة. مرآة كشاجم: "وكلُّ مَا غِبْطَةٍ إلى نَدَمِ". مرآة ابن الرومي: " تنادموا كأسَهُمْ على نَدَمِ". مرآة المعرّي: "والنُدمانُ لفظٌ أتى من الندم"، ثمّ مرآة الحياة بصفة عامّة، المتشظّية على امتداد الخطى والمسافات. لكأنّ الدائرة تكتمل وئيدًا عبْرَ الخيط الفاصل\ الواصل بين الطريق من الخطيئة الأولى في المسيحيّة والطريق إلى الآخرة في الإسلام. لكأنّ أوّل درسٍ نتعلّمه على هذه الأرض أن نندم على كلّ فرح فيها وعلى كلّ جرح. أن نندم على ما جئناه من ذنب وحتّى على ما لا ذنب لنا فيه، مرور الزمن مثلاً في قول ابن شيخان السالمي: "ندمتُ على زمن الصبا، نَدَمَ الفرزدق في نوارِ". هذا إذا كنتَ طفلاً يلهو أو شابًّا يحلم أو كهلاً يفتح عينيه على بداية النهايات. ولكن ماذا إذا ابتليتَ بالشعر وكان عليك أن تختزل في ذاتك الصغيرة هذا العالم كلّه، فإذا أنت وحدك وإذا أنت الجميع في الوقت نفسه، أي أنّك كلُّ من أشهر سيفًا وكلّ من انغرس هذا السيف في صدره، كلُّ يدٍ زرعت وردة وكلُّ يدٍ اقتلعتها، الرشّاشة والأغنية، أو كما قال بودلير: "الضحيّة والجلاّد في جسد واحد"؟ لاشكّ عندها أنّك ستكتشف معي، مثلما اكتشفت أنا منذ قولة جدّتي هناك عند البئر في تلك الأيّام البعيدة، أنّ الكتابة ليست سوى تصريف لِفعل الندم في أزمنته المختلفة. ذلك أنّ الندم هو القاعدة ولكن شرط ألاّ نندم. 

ولعلّ الكتّاب أو الشعراء (مع إرجاء التحقيق في دلالة هذه التسمية) أولى من غيرهم بالندم المطلق، المحض، لأنّ هويّتهم لا تخلو من خديعة ما. يقول بارط متحدّثًا عن نفسه إذ يكتب: إنّي أتقدّمُ رافعًا قناعي". فمن من الكتّاب أو الشعراء (العرب خاصّة) يستطيع الاعتراف بقناعه، فضلاً عن الشروع في كَشفه أو رفعه؟ الرجل الخيِّرُ هو الذي لا يحتاج إلى أن يخدع أحدًا. هكذا قال روسو. مضيفًا بحسرة: ولا أرى هذه الميزة إلاّ لدى الرجل المتوحّش، يقصد الرجل الذي لم تروّضه المدينة. فمن من الشعراء أوالكتّاب اليوم، استطاع أن يختار الطريق الصعبة: أن يخوض غمار المدينة وأن يظلّ مساويًا لنفسه. أن يدخل حرب مواقع في المركز وأن تحافظ روحه على حريّة الهامشيّ. أن يقوم بأعباء الوظيفة التي يراها دون أن يتحوّل إلى موظّف، وأن يظلّ حرًّا دون أن يسقط في هامشيّة استعراضيّة أو صَعْلَكةٍ تنقلب بالضرورة إلى نوع من الفولكلور. وبتعبير آخر: من من الشعراء أو الكتّاب اليوم لم يتحوّل إلى حيوان داجن في قنِّ ما يُسَمّى بالساحات الثقافيّة، سواء في مركزها أو على هامشها؟ لا شكّ أنّهم قِلَّةٌ قليلة. ثمّ إنّ الذنب ليس ذنب الشاعر أو الكاتب وحده، فاللغة نفسها تساهم في تأسيس حضارة الندم المزمن. ذلك أنّ الإنسان ما أن يدخل اللغة، أي ما أن يخرج من التوحّش، حتّى يخرج من البراءة، فلا لغة إلاّ وهي تشير فيما تبوح به إلى مسكوت عنه، ولا خطاب إلاّ وهو يحوّل رغبتك إلى حسرة وفعلك إلى ذنب، لأنّه يحوّل دوالّك إلى رهائن لدى المتلقّي والمؤوّل. فكأنّ التخاطب شرح مستمرّ للخطاب، وتبرير واستغفار دائمين. في هذا السياق يتحوّل الشعر مثلاً إلى فرن تنصهر فيه أنواع الخطاب كلّها: من السرد التذكاريّ إلى الحلم الطوباويّ، فإذا التذكّر ندمٌ على ما حدث، وإذا اليوطوبيا ندمٌ على ما لم يحدث بعد. ولكنّه ندم العاجزين عن المضيّ قُدُمًا في الخطيئة. وذاك ما يجعله ندمًا "شعريًّا". إنّ ندم الشعراء ليس تعبيرًا عن الرغبة في التوبة بقدر ما هو تعبير عن فقدان القدرة على إتيان الذنب.

لذلك كنت أفضّل أن يُقال "أندم من شاعر" لا "أندم من الكسعيّ".

ولكن ما الذي يصل بين الشاعر والكسعيّ؟ ما الذي يجمع بين "مقترف" الشعر اليوم أو أمس أو غدًا، وغامد بن الحارث أو محارب بن قيس، الذي قدّر عليه أن يظلّ حبيس الذاكرة العربيّة بطلاً للندامة؟ ترى ما الفرق بين ذاك اليمنيّ الغابر وهو يرمي عيرًا في ذلك الليل القديم، فيظنّ أنّه لم يصبه، فيكسر قوسه أو ربّما يقطع إصبعه، ثمّ يصبح فإذا العير مقتول وسهمه فيه، ترى ما الفرق بينه وبين الشاعر وهو يرمي ما لا يعرف، ثمّ وهو يكسر أقلامه أو يمزّق أوراقه أسفًا على ما لايعرف، فإذا أصبح وجد نفسه هو القتيل وسهمه فيه؟ وهو القتيل سواء انتحر مثل خليل حاوي، أو نُحِر مثل نجيب سرور، أم اندحر إلى عصًا في يد الراعي أو جلجلة في عنق القطيع؟ سدّد الكُسعيّ في اتّجاه العير ويسدّد الشاعر في اتّجاه نفسه، لأنّه يبحث عن الشعر في نفسه فتغريه بامتلاك العالم، ولا يمكن امتلاك العالم إلاّ إذا أصبح شيئًا من أشياء النفس. رمى الكُسعيّ كي يُصيب وظنّ أنّه أخطأ. ويرمي الشاعر كي يُخطئ ويظنّ أنّه يُصيب. ربّما هنا مكمن الفرق. ولكنّه فرق في الظاهر لأنّ كلاًّ منهما رامٍ أعمى عليه ألاّ يتبيّن مرماه من أجل أن تتجمّل الحكاية، وعليه أن يتحمّل عماه كمن "يقترف" ذنبًا، وعليه أن يعيش مستغفرًا عن هذا "الذنب" كي يستطيع عَماهُ أن يضيء شيئًا من الطريق.      

                                                    آ.ف\ تونس\2002