الصريح مع آدم فتحي

1-    متى بدأت بكتابة أوّل قصيد إبداعيّ؟

ج: لا أعرف. والأغلب على الظنّ أنّي لم أكتب نصّي الإبداعيّ بعد، وأنّي لم أستمرّ في الكتابة حتّى الآن إلاّ طمعًا في إنجاز هذا النصّ. وكم أغبط أولئك الذين يعرفون متى كتبوا أوّل نصوصهم الإبداعيّة. أغبطهم وهم يتحدّثون عن ذلك مدجّجين بيقينهم الاستعراضيّ البرّاق، محشوّين في كامل ملابسهم التواضعيّة المشتراة من أقرب دكّان للروبافيكا الشعريّة، وكأنّهم خائفون على الأجيال القادمة من أن يداهمها الموت قبل أن تتنعّم بمعرفة تاريخ أوّل نصّ إبداعيّ لحضراتهم المرموقة. كم أغبط أصحاب هذه العقليّات المغتبطة المزهوّة بنفسها. أغبطهم وأشكّ في شاعريّتهم في الوقت نفسه. فأغلب الظنّ أنّ الشاعر أوّل من يحلم، لكنّه في كلّ الأحيان آخر من يعلم.  ولعلّنا لا نرى في العالم شعراء بقدر ما نرى رحّالةً لا يتحوّل الواحد منهم إلى "شاعر" إلاّ في آخر الرحلة. لأنّ الرحلة هي الشعر. هي التي تلد الشعر. وهي لا تفعل ذلك إلاّ بعد أن يعيشها صاحبها وهو فريسة للحيرة والقلق والشكّ في نفسه وفي نصّه. وهو يجهل هويّة "مركبه"، إن كان خشبةً أم ريحًا أم قصيدة. والأغلب على الظنّ أن أحدًا منّا لن يعرف هويّة مركبه إلاّ بعد أن يسلم النفس الأخير، أي بعد أن ينجلي غبار الرحلة وفقًا لرأي الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي: "ستعرف حين ينجلي الغبارُ/ أَفَرَسٌ تحتك أم حمارُ". وهل الغبار سوى هذه الحياة؟

2-    ما هو الأهمّ في نظرك؟ العلماء في مجال تخصّصهم أم الشعراء؟ وكيف تبدو درجة التحمّل لدى الشعراء أكثر منها لدى العلماء؟

ج: ومن قال إنّ الشاعر أو العالم أكثر أهميّة من أصغر نملة تدبّ على رمال نفزاوة أو على غلاف مخطوط قديم في مكتبة الإسكندريّة؟ ومن قال إنّ أحدهما يتحمّل أكثر ممّا يتحمّله سندان يئنّ تحت مطرقته أو سلحفاة تنوء بقوقعتها؟

3-    كشاعر، ممّ تخاف؟

ج: دعك من سؤال الشاعر فيّ فهذا يتطلّب أن نحدّد هويّة الشاعر، ولا أعتقد أنّ أحدًا منّا قادر على ذلك. ولكن اسألني كما تسأل أيّ كائن من كائنات الأرض، أُجِبْكَ بأنّي أخاف من لا شيء ومن كلّ شيء. منك، ومن أسئلتك، ومنّي، ومن أجوبتي، ومن القارئ أو اللاقارئ. أخاف من هذه الكلمات التي قد تنطلق مثل الرصاصات الطائشة فتخطئ أو تصيب. أخاف من هذا الزمن الهارب ومن هذا الزمن المتكلّس. أخاف من المجهول وأخاف أكثر من المعلوم، لأنّه مجهول مستتر في ثوب موهوم. أخاف من الرداءة والجمال لأنّ الرداءة تقتُلُ والجمال يُخيف من الموت. أخاف من الذاكرة ومن فقدانها. أخاف من الخوف ومن عدم الخوف. وهل بنى الإنسان كلّ هذا العمران إلاّ لِيَأْمَنَ من خوف، وهل أحدث كلّ هذا الخراب إلاّ حرصًا على الخوف.  

4-    في حياتك اليوميّة هل تتصرّف كشاعر؟

ج: أجبني أنت.

5-    ما هي أوّل مهنة وهل تعتبر نفسك حِرَفيًّا؟

ج: مارستُ مهنة التعليم طيلة سنوات، واكتشفتُ أمرين: أنّي لا أصلح للوظيفة أيًّا كانت، وأنّي أعلّم أطفالاً عليّ أن أتعلّم منهم. فقرّرت أن أخرج من المهنة وأن أعيش الهواية. ولك أن تعتبرني "هاويًا محترفًا". 

6-    هل الاحتراف مرادف للتعلّم؟

ج: موضوع لا يعنيني.

7-    ماذا أضاف إليك لطفي بوشناق، كفنّان وكإنسان؟

ج: أنا محظوظ بلطفي بوشناق لسببين على الأقلّ، موضوعيّ وذاتيّ: السبب الموضوعيّ أنّه موجود في عصري كفنّان، حيث تنظر فلا ترى في الأغلب غير تجّار الشنطة الفنّية وباعة المشاعر المستعارة. لطفي بوشناق من القلائل الذين تصحّ في شأنهم كلمة فنّان. وقد مكّنني هذا من خوض المغامرة منذ سنوات بثقة وثبات. وأتمنّى أن نظلّ عند حسن ظنّ أحبّائنا بنا، وأن تعطي التجربة أكلها كاملاً وناضجًا وشاهدًا وحافرًا في الذاكرة ومخصبًا لها بما يمكّننا من أن "نقول" بلادنا وشعبنا وعالمنا فيما نحن نحاول أن "نقول أنفسنا". أمّا السبب الذاتيّ فيتمثّل في أنّي أعدّ أصدقائي القليلين فأجده في صدارتهم، والحال أنّ الأصدقاء الذين تشرف بهم هذه الكلمة، أصبحوا في هذا العصر أندر من الكبريت الأحمر. بوشناق من القلائل الذين يمنحون كلمة الصداقة معناها الحقيقيّ.

8-    عدد من الناس ينظرون إلى تعاونكما بعيون حاسدة، هل العمل فحسب كفيل بإسكاتهم؟

ج: الحسد موجود منذ بداية الكون. منذ حسد قابيل أخاه هابيل على أختهما تليما. وقد يحسدك البعض لأنّه ذو روح سوداء تعيش على العدوانيّة. وقد يحسدك البعض لأنّه عدوّ نقيضه، فإذا كان جاهلاً حسدك على معرفتك، وإذا كان فاشلاً حسدك على نجاحك. وقد يحسدك البعض دون أن يكون واعيًا لذلك، فيعبّر عن حسده بتلك الأسئلة البريئة في ظاهرها: إلى متى تتعامل مع فلان؟ ولماذا تتعامل مع فلان؟ ومن منكما يستفيد أكثر من الآخر؟ إلخ...أو بتلك "الاقتراحات" البريئة في ظاهرها: آن الأوان كيف يكفّ فلان عن احتكار فلان، أو متى متى ينوّع فلان في اختياراته بعيدًا عن فلان، إلخ...وكأنّ هذا النوع من الأسئلة يفيد في معرفة تجارب مثل تجربة الرحابنة وفيروز أو أمّ كلثوم وأحمد رامي أو نجم والشيخ إمام. وكم أفسدت مثل هذه الأسئلة ومثل هذه الاقتراحات من تجارب، وكم نخرت بالتكرار والمعاودة من لقاءات، وكم فرّقت من ثنائيّات كان يمكن أن تنتج وتثمر. فهل نفع ذلك أحدًا؟ وهل تقدّم بالفنّ؟ هؤلاء هم أعداؤك بالضرورة، ومن غير الطبيعيّ ألاّ يكونوا كذلك. ولكنّ أسوأ أنواع الحسد ذلك الذي يصدر عمّن تظنّهم أصدقاءك وأحبابك. ولعلّ كلمة "صداقة" لم تفقد معناها مثلما فقدته في هذا العصر. حيث تجد نفسك تعيش مع من تظنّهم أصدقاء وتمنحهم نفسك وتقف معهم وتمدّ لهم يدك المرّات والمرّات، وما أن تطلب منهم عونًا عند الشدّة حتّى ينفضّوا عنك كما تفعل الجرذان وهي تغادر سفينة تغرق، موهمينك بأنّ مجرّد قبولهم لصداقتك كان خدمة لك وديْنًا لهم عليك. أمّا إذا طلبوا هم منك شيئًا عجزت عنه أو رفضت تلبيته، فإنّهم ينقلبون عليك ناسين كلّ ما أخذوا. فتكتشف أنّهم معاقون عاطفيّأ، عاجزون عن الحبّ، والحال أن المعاق جسديّا قد يرجى شفاؤه، أمّا المعاق عاطفيّا فهو ميئوسٌ منه. كائنات إسفنجيّة لا تعرف غير الامتصاص. أعشاب طفيليّة تعشّش في حقلك الأخضر لا لتبادلك الدفء أو الظلّ بل لترتزق وتتمعّش. ولا لتفرح بنجاحك أو تكبر بكِبرَك بل لتعتبر أنّك "دوبلت عليها" بنجاحك، وحجبتَ عنها الضوء كلّما كبرت، لذلك سرعان ما تنقلب على نفسها فيما هي تنقلب عليك، فإذا هي تجد الفرصة مؤاتيةً كي تكشّر عن أنياب حسدها الذي كان كامنًا متخفّيًا، وإذا هي تحاربك وتنتقص من قيمتك وتناصر كلّ من تعتبرهم منافسيك حتّى وإن كانوا قاع الرداءة وسقف التفاهة، وأقصى أماني مثل هذه الكائنات أن تراك تفشل بدونها، لذلك فإنّ أفضل إجابة عليها وأفضل شماتة فيها هي فعلاً أن تستمرّ في نجاحك، بل أن تجعلها ترى نجاحك يتضاعف بعيدًا عنها، لأنّ النجاح مثل الجناح، يحلّق أعلى كلّما تخفّف من "ريشاتِه" المغشوشة. ثمّ لك قبل هذا وبعده أن تتمثّل ببيت المتنبّي العظيم: "إِنّي وإِنْ لُمْتُ حاسِدِيَّ فَمَا/ أُنْكِرُ أَنِّي عُقُوبَةٌ لَهُمُ "       

9-    هل تحسّ بالرضى النفسيّ عمّا تقدّمه من عمل؟

ج: وهل تراني قدّمتُ شيئًا ذا بال حتّى الآن؟

10-                   ما هي رسالتك للأجيال القادمة؟

ج: وأنت؟

11-                   يُلام عليك أنّك وهبت وقتك بالكامل للشعر الغنائيّ، حتى أنّه لا يُعرَف إن كان لك عضويّة في اتّحاد الكتّاب؟

ج:  أوّلا هذا غير صحيح. ثانيًا أين المشكل إذا كان هذا صحيحًا؟

12-                   غير ما هو معروف، هل تقرأ كتبًا معيّنة؟

ج: أقرأ كلّ ما يتاح لي أن أقرأ، بدايةً من كتب الخيال العلميّ وصولاً إلى السِيَر والرسائل.

13-                   ما هو آخر كتاب قرأته؟

ج: "مدينة الشعراء" لمحمد بن صالح، و"حكاية العين والموت" لجورج باتاي في ترجمته الصادرة أخيرًا عن دار الجمل.

14-                   ما هو رأيك في الشارع التونسيّ؟

ج: هو أكبر شاعر تونسيّ.

15-                   لمن تستمع؟

ج: أستمع إلى باخ ولطفي بوشناق وفاغنر وفيروز وموزارت والشيخ إمام وليو فيرّي ومارسيل خليفة وسترافينسكي والبحث الموسيقي وبرليوز وحمادي العجيمي والإنشاد الصوفيّ والزين الصافي وزياد الرحباني وجاك بريل والمقام العراقيّ وبوب ديلان والقدود الحلبيّة وجورج براسينس والأغاني النوبيّة وبوب مارلي وصالح الخميسي وتيودوراكيس وأسمهان والموسيقى الغجريّة وصليحة وغناء الخليج وسنية مبارك وبربرا هاندريكس والقناوة وديوك إلينغتون وعليم كاسيموف وأسماء أخرى من الصين والهند ومن إفريقيا وأوروبّا...و...و... أستمع إلى الموسيقى والشعر والغناء الذي يقول شيئًا، مهما كان نوعه أو لغته أو مأتاه. وأستمع خاصّة إلى الصمت.

 

16-                   من وقف معك؟ من وقف ضدّك؟

ج: وقف معي القادرون على الحبّ وغير الخوّافين من الاختلاف. ووقف ضدّي أعداء السؤال والمعاقون عاطفيّا. إلاّ أنّه لمّا كانت كلّ ضربة تأتيك من الخلف تدفع بك إلى الأمام، فإنّي أستطيع أن أقول: لم يقف ضدّي أحد.

 

17-                   ما هو النصّ الذي لم تقرأه إلى حدّ الآن؟

   ج: بل قل ماذا قرأت حتّى الآن بالنظر إلى ما يجب عليّ أنّ أ