|
آدم
مع المجلّة
-
أنت
شاعر فُصحى بالدرجة
الأولى، فهل حوّلتَ
وجهتك من الشعر الفصيح
إلى الشعر
العاميّ؟
ج:
أفضّل
إذا سمحت أن أبتعد عن
مثل هذا التقسيم، فأنا
لا أفهم معنى عبارة "شاعر
فصحى بالدرجة الأولى"،
ولا عبارة "شعر
عاميّ"، والظنّ عندي
أنّ كلمة "شاعر"
تكتفي بنفسها للإشارة
إلى كلّ كائن ذي رؤية
مختلفة للوجود، وذي
لغة تعبّر عن هذه
الرؤية، وأنّ كلمة "شعر"
تكتفي بنفسها للدلالة
على كلّ كلام يعبّر عن
زاوية نظر خاصّة
للعالم، ولا يهمّ
معهما إن كان الشعر
بهذه اللغة أو تلك
وبهذه اللهجة أو تلك.
من ثَمَّ أنا لا أستطيع
المفاضلة بين الفصحى
والعاميّة فلكلٍّ
منهما مكانتها ودورها.
إضافةً إلى كوني أذكر
دائمًا كما يذكر
الجميع، أنّ العربيّة
الفصحى، هذه اللغة
الرائعة التي تظلّ جذع
شجرتنا الثقافيّة،
كانت في وقتٍ من
الأوقات لهجة ثمّ
أصبحت لغة. وهي اليوم
مثل كلّ نهر عظيم، لا
يمكن أن تعيش وأن
تتجدّد إلاّ إذا
انفتحت على ما حولها من
روافد، ومن أهمّ هذه
الروافد اللهجات.
-
هل
نفهم من هذا أنّك تدعو
إلى الكتابة
بالعاميّة؟
ج:
ليس هذا من مقاصدي
إطلاقًا. كلّ ما في
الأمر أنّي لا أرى
موجبًا لهذه التفرقة
"العنصريّة" بين
الفصحى والعاميّة.
العاميّة ابنة الفصحى،
ولا أرى موجبًا لخلق
عداوة مفتعلة بين
الأمّ وابنتها. هذا
أضافة إلى كون الأمّ قد
يتجدّد عمرها من خلال
ابنتها، وقد "تولد"
من جديد أكثر شبابًا
وتوهّجًا. ولعلّ
القارئ المتابع يعرف
قصائد رائعة لكبار
شعراء العاميّة
الشعبيّين، كالبرغوثي
في تونس أو ابن ظاهر
المولود في المنطقة
المحيطة برأس الخيمة،
وغيرهما كثير. وهي
قصائد لا تقلّ قيمة عن
نظيراتها في أيّ لغة
أخرى. كما يعرف القارئ
المتابع ما أنتجته هذه
القصائد من روائع بعد
ذلك، أي بعد أن انتقل
شعر العاميّة من
الفضاء المحدّد بعبارة
"الشعر الشعبيّ"
أو "الملحون" أو
"النبطي"، إلى
فضاء "الزجل"، ثمّ
إلى فضاء الشعر بصفة
عامّة، وهنا نجد أعمال
فؤاد حدّاد أو
الأبنودي في مصر،
وطلال حيدر في لبنان،
والدوعاجي في تونس،
فضلاً عن الشعراء
الذين يجمعون بين
الفصحى والعاميّة
بالإجادة نفسها، مثل
أحمد شوقي أو نجيب سرور
أو سعيد عقل أو مظفّر
النوّاب أو د.عبد
العزيز المقالح إلخ...
وقد حدث الأمر نفسه في
لغات أخرى غير
العربيّة، وما علينا
إلاّ أن ننظر إلى
الانعطافة التي أحدثها
كلّ من إليوت في الشعر
العالميّ وجويس في
الرواية العالميّة،
بفضل حوارهما مع
العاميّة. ثمّ إنّي حين
أقرأ الآن "خطاب
المنهج" للفيلسوف
الفرنسيّ ديكارت، لا
أهتمّ بكونه كتبه في
لغة كانت تُعتبر
عاميّة في وقته. كذلك
الأمر حين أقرأ في
العربيّة قصائد مترجمة
لشاعر كرديّ عراقي
أحبّه كثيرًا، هو
شيركو بيكه س، فأنا لا
أسأل إن كانت نصوصه
الأصليّة مكتوبة
بكرديّة الشمال أو
كرديّة الجنوب.
لكلّ هذه الأسباب
أجد صعوبة في الإجابة
على مثل سؤالك هذا...
-
اسمح
لي إذَن بأن أعيد صياغة
السؤال. أنت بدأت بنشر
الدواوين الشعريّة
وتابع القرّاء قصائدك
في
المجلاّت العربيّة
والمهرجانات إلخ...ثمّ
ظهرت أعمالك المغنّاة،
وأكثرها بالعاميّة،
فتساءل البعض إن لم تكن
صورتك كشاعر غنائيّ قد
غطّت على صورتك كشاعر،
إعلاميًّا، وإن كنت
هجرت القصيدة أم اخترت
المراوحة بين الأشكال؟
ج:
هذه مشكلة الشاعر مع
صورته الإعلاميّة التي
لا ذنب له فيها. أنا
أكتب للأغنية واحدًا
بالمائة ممّا أكتبه
عمومًا، ولكنّ الأغنية
تشتهر أكثر. قد يكتب
الواحد منّا مائة
قصيدة وأغنية واحدة
فتشتهر الأغنية ولا
ينتبه أحد إلى القصائد
المائة. ربّما لأنّ
الإعلام العربيّ
اليوم، ومع حفظ
الاستثناءات القليلة،
هو في معظمه "مغنّواتيّ"
و"راقص"، لأنّه
يريد أن يغطّي
بالتسلية على الأسئلة.
لذلك فهو يعتني أكثر
بما يعتبره غناء ورقصا
والحال أنّه أبعد ما
يكون عن جوهر الغناء
والرقص. بقي أنّ مسألة
"الشاعر الغنائيّ"
تستوجب بعض التوضيح.
صحيح أنّ الأغنية شكل
فنّي قائم بذاته له
شروطه وأدواته
الخاصّة، إلاّ أنّه
يقوم على الأرضيّة
نفسها التي هي أرضيّة
القصيدة. يجب أن يكون
هناك شاعر وراء
الإثنين، وإلاّ تحوّلت
الأغنية إلى مجرّد رصف
كلمات. وبعيدًا عن
تصنيفات المختصّين
التي تحدّد اختلاف
الشعر الغنائيّ عن
الشعر الملحميّ إلخ...فإنّ
طموح الشاعر على
امتداد الزمن، لم يكن
أكثر من أن يكتب أغنية
ويترك أغنية ويقول
الحياة بأغنية...
-
ولكن ألا ترى أنّ البعض في
البلاد العربيّة،
يعتبر عبارة "شعر
غنائيّ" نوعًا من
الإشارة إلى شعر من "الدرجة
الثانية"؟
ج:
أصحاب هذا التقييم على
حقّ لو تعلّق الأمر
بمعظم ما يُغنّى
اليوم، فهو ليس من
الدرجة الثانية بل
العاشرة أو العشرين.
أمّا إذا تعلّق الأمر
بالتعامل مع الأغنية
بشكل عامّ فالأمر
يختلف. ولنتذكّر تلك
الأسطورة الرائعة، حين
دخلت الروح الجسد أوّل
مرّة وشعرت بالاختناق،
فأرادت الخروج، فأُمِر
الإنسان بالغناء، فإذا
بالروح تستقرّ ويطيب
لها المقام. هذه
الأسطورة تشير إلى
مكانة الأغنية
الحقيقيّة، إنّها عقد
الصلح بين الروح
والجسد، أي بين
الماديّ والمعنويّ
وبين العقل والخيال. من
هنا تبلغ خطورة
التلاعب الحاليّ
والإسفاف بالأغنية حدّ
الإجرام، لأنّه تلاعبٌ
بمقوّم أساسيّ من
مقوّمات إنسانيّة
الإنسان. ثمّ أنّ الشعر
حين يُغنّى يكتسب
أجنحة إضافيّة تحلّق
به أعلى. وهناك من
الشعر المغنّى ما هو
رائع وعظيم. واعتبار
هذا النوع من الأعمال
"شعرًا من الدرجة
الثانية" فيه إجحاف
كبير. وقد لا يكون هذا
الإجحاف موجودًا بهذه
الحدّة إلاّ لدى من
يعجز عن التعامل مع
الأغنية، فيلجأ إلى
الترفّع عنها
أوالانتقاص من قيمتها
واعتبارها "درجة
ثانية" من التعبير.
والحال أنّ المستمع
إلى أعمال ريتسوس أو
كافافيس التي لحّنها
ميكيس تيودوراكيس
مثلاً، أو إلى كلمات
جاك بريفير التي ألّف
أكثرها خصّيصًا
للغناء، والتي ظلّت
تجري على ألسنة عشرات
المغنّين إلى اليوم،
أو إلى قصائد محمود
درويش مع مارسيل خليفة
وقاسم حدّاد مع خالد
الشيخ، أو إلى روائع
أحمد شوقي بالعاميّة
المصريّة، وقد وضعها
أساسًا للغناء، لا يرى
موجبًا للسؤال إن كان
أحد هؤلاء الشعراء "شاعرًا
غنائيًّا" أم لا،
المهمّ هو ما نحسّ به
أمام هذا النصّ أو ذاك،
وإلى أيّ سماء يأخذنا،
وفي أيّ أعماق يغوص
بنا، وأيّ أسئلة يثير
فينا، وكم نصبح أكثر
جمالاً وحريّة بعد
السماع والقراءة...بل
إنّي لا أرى أحدا يطرح
هذه الأسئلة إلاّ
لدينا نحن العرب....والحال
أنّ المهمّ هو
الاغتسال بنار الشعر
ومحاورة الشعر ومحاولة
امتلاك شروط الشعر. ولا
يهمّ إن كانت الوسيلة
قصيدة أم أغنية. ولنقل
إذا سمحنا لأنفسنا
بتحريف عبارة شكسبير:
"أن نكون شعراء أو لا
نكون، هذا هو السؤال".
-
إذنْ
فأنت لم تهجر القصيدة؟
ج:
القصيدة هي التي تهجر
وليس العكس، أمّا إذا
اعتقد الواحد منّا غير
ذلك فهو واهم. ومن حسن
حظّي أنّي مع القصيدة
في علاقة طبيعيّة: أي
أنّها عدوّ حميم وصديق
لدود، في الوقت نفسه.
-
يرى
عدد من النقّاد
التونسيّين والعرب، في
سياق الاحتفاء
والتنويه بأعمالكما،
أنّ تجربتك مع الفنّان
لطفي بوشناق تنضاف إلى
محطّات متميّزة عرفتها
الأغنية العربيّة،
فبعد تجربتي سيّد
درويش والرحابنة، على
سبيل المثال، تبدو
تجربتكما امتدادًا
لنوع خاصّ من الرؤية
الفنيّة والموسيقيّة،
ما تعليقك على هذا
الرأي؟
ج:
أتمنّى أن نكون فعلاً
عند حسن ظنّ هؤلاء
النقّاد بنا. وقد يداعب
"غرورنا" أن نوضع
مع هؤلاء العمالقة
والمعلّمين الكبار،
إلاّ أنّنا لن ننسى أنّ
الطريق طويلة وصعبة،
وأنّ علينا عمل الكثير
كي نشعر فعلاً بأنّنا
قد وضعنا لبنة صغيرة في
هذا الهرم الكبير الذي
اسمه القصيدة العربيّة
أو الأغنية العربيّة.
ولعلّ من أهمّ دروس
تجارب كتجربتَيْ بيرم
التونسيّ والأبنودي
مثلاً على صعيد
الكتابة، وسيّد درويش
والرحابنة على صعيد
التلحين، أن يعرف
الشاعر والفنّان بصفة
عامّة، كيف يصالح بين
مغامرته الخاصّة وروح
شعبه.
-
هل
تقصد، فيما يخصّ
الغناء، المصالحة بين
الأغنية الشعبيّة
والأغنية المتقنة؟
ج:
تمامًا. الأغنية
الشعبيّة ظلّت دائمًا
تلعب دور "حادي
القافلة"، قافلة
الحياة، إنّها مصاحبة
للإنسان في أفراحه
وأتراحه، تعبّر عن
أحلامه وآلامه في حلّه
وترحاله، تحفظ تاريخه
وتشهد على حاضره وتقول
أمله في مستقبل أفضل
وأجمل...وقد قامت بذلك
بشكل عفويّ، دون حذلقة
ودون تخصّص أو
أكاديميّات...وحين
تغيّرت صورة المجتمع
تطوّرت أيضًا "الأغنية
الشعبيّة"، فإذا هي
تعبير عن الهجرة
والنزوح وتعبير عن
حياة قاع المدينة
وتمزّق الريف بين
الواقع والطموح،
وتعبير عن لحظات طموح
الجسد إلى الإفصاح عن
نفسه في حوار مع إيقاع
حياته اليوميّة،
وتعبير عن لحظات الفرح
المسروق من الزمن، كما
أنّها أحيانًا كثيرة
لعب ومرح يجدّد الروح
ويمنح أجنحة أخرى
للعقل والخيال...أمّا
الأغنية التي يسمّيها
البعض "عالِمة" أو
"مُتقنة"، فقد
بدأت أغنية بلاطات،
مجعولة أساسًا للترفيه
على المُرفَّّهِين.
وكان مطلوبًا منها أن
تظلّ أبعد ما يكون عمّا
يثير الهموم أو يشغل
البال.
-
ولكن
ألا ترى أنّ هذه
الأغنية هي التي
تقدّمت بمنجزنا الفنّي
الحديث؟
ج:
أوافقك الرأي إلى حدّ.
لقد أعطتنا هذه
الأغنية أشياء في غاية
الجمال، إلاّ أنّ
انشغال أصحابها المفرط
بتجويد الآه وزخرفة
الموّال و"تنظيف"
الوتر من أيّ شيء ذي
صلة بحياة الناس، قد
جعل هذا الجمال يتحوّل
في أكثر الأحيان إلى
جمال بلاستيكيّ بلا
طعم ولا رائحة...والغريب
أنّنا نرى اليوم أغنية
هجينة، أخذت من
الأغنية الشعبيّة "بدائيّتها"
إذا صحّ التعبير،
وأخذت من الأغنية "العالِمة"
في بداياتها، بُعْدَها
عن الواقع، فإذا نحن
أمام أصوات بشعة،
تتغنّى بكلام لا صلة له
بالحياة، ولها جنود
يدافعون عنها باسم
التسلية والترويح عن
الناس، ويلعبون دور
"طابور خامس"
مهمّته أن يحوّل رؤوس
الجمهور إلى طبول
خالية من أيّ مادّة
صالحة للتفكير أو
التأمّل، وإلى آذان
تسمع وترقص دون أن
تشغّل أدمغتها،
متّهمين أيّ فنّان
يحاول أن يشهد على عصره
بأنّه يتدخّل فيما لا
يعنيه، وأنّه يفسد
فنّه بمواضيع
يعتبرونها غير فنيّة.
وقد فهم سيّد درويش
والرحابنة الدرس،
وعرفوا أنّ الشعب هو
المعلّم الأكبر في هذا
المجال، لذلك انطلقوا
منه دون أن يهملوا
المعرفة والثقافة
والمغامرة والتجريب.
فكانت أغانيهم متفتّحة
على روافد المعرفة
الموسيقيّة، ومعانقة
في الوقت نفسه لروح
شعبهم. وهذا يعني أن
تكون الأغنية "لعبًا
وجِدًّا" بشكل
متوازن، فيها من
التسلية بقدر ما فيها
من الأسئلة، وفيها من
الشهادة على الحاضر
بقدر ما فيها من الحلم
بالمستقبل، وفيها من
الحنين إلى الآتي بقدر
ما فيها من وفاء لما
فات.
-
عندما
نستمع إلى أعمالك بصفة
عامّة، نحسّ مباشرة
بأنّها من تأليفك،
حتّى دون قراءة إمضائك
عليها، وفي حين يرى
البعض في هذا الأمر
امتيازًا وخصوصيّة،
فإنّ البعض يقف منه
موقفًا انتقاديًّا. ما
رأيك أنت؟
ج:
يبدو أنّ هناك أشياء لا
توجد إلاّ لدينا نحن
العرب، من ذلك أن يعوّض
البعض عن عجزه عن
انتقاد ما يجب
انتقاده، بانتقاد أمور
أخرى لا يجوز انتقادها.
وهل ثمّة بداهة أكثر من
أن يكون لكل كاتب أسلوب
يميّزه عن غيره، ومناخ
يعبّر عنه، ومعجم خاصّ
به يقول ذاته وعالمه؟
هل نعود إلى غوستاف
فلوبير في هذا
الموضوع، وهو الذي رأى
في الأسلوب هويّة
الإنسان فضلا عن
الكاتب. هل نذكر محمود
درويش أو أنسي الحاج أو
محمد الماغوط أو
المسعدي أو صلاح جاهين
أو الشابّي أو غيرهم
ممّن يكفي أن تقرأ لهم
نصًّا حتّى تعرف أنّه
لهم دون أن تنظر إلى
التوقيع؟ هناك مفردات
ومناخات أثيرة لدى كلّ
كاتب، قد يضيف إليها
وقد يطوّرها شيئًا
فشيئًا، إلاّ أنّها
تظلّ في تركيباتها
وتلويناتها المختلفة،
أدواته الخصوصيّة في
التعبير عن قديمه
وجديده، دون معاودة
ولا تكرار. هي بالنسبة
إليه كملامح الوجه.
يعيش الواحد منّا بنفس
العينين والشفتين
والحاجبين إلخ، إلاّ
أنّه يعبّر بها عمّا
لانهاية له من
الأحاسيس القارّة
والمستجدّة...والحقيقة
أنّ هذا الأمر واضح
وبديهيّ لدى الجميع،
باستثناء أولئك الذين
تختلط لديهم هواجس
الكتابة بهواجس
التجارة، خاصّة في
مجال الأغنية، فيظنّون
أنّ الشاعر بائع ملابس
جاهزة أو خضروات، عليه
أن ينوّع "بضاعته"
حسب طلبات "الزبائن"،
ووفق متطلّبات الموضة
أو فصول السنة، وعليه
أن يتخلّى عن هذه "البضاعة"
أو تلك لتجاوز "مدّة
الصلوحيّة" إلخ...هؤلاء
لا يمكن إلاّ أن نتمنّى
لهم حظًّا سعيدًا في
البيع والشراء، أمّا
الشعر والفنّ فإنّ له
شروطًا أخرى...
-
على
الرغم من بروز اسمك
والعديد من أعمالك منذ
الثمانينات، خاصّة من
خلال نصوصك التي تغنّى
بها الفنّان المصريّ
الكبير الشيخ إمام،
فإنّ وصولك إلى
الجمهور العريض قد صار
أوضح بداية من تجربتك
مع لطفي بوشناق،
لماذا؟
ج:
ربّما لأنّ تجربتي مع
الرائع الشيخ إمام
كانت في سياق بعيد عن
الإعلام. كان المناخ
الإعلاميّ معاديًا
لمثل هذه التجارب،
وكنّا نعمل دون أن نطمع
في الوصول إلى
الإذاعات أو
التلفزيونات العربيّة
إلاّ كاستثناء يحفظ
القاعدة دون أن يلغيها.
كان الشيخ إمام يعمل
بصمت ولا يلتفت إلى
أعماله إلاّ جماهيره
وقلّةٌ من الصحفيّين
المستنيرين. أمّا
البقيّة فكانوا
يعتبرونه خطيبًا
سياسيًّا لا يملك
أغنية واحدة "ضاربة".
وهنا أفتح قوسًا
لأذكّر بما قلته ذات
يوم، من أنّ القانون في
كلّ بلاد العالم يعتبر
الضرب أمرًا موجبًا
للعقاب، فلماذا لا
تعاقب هذه الأغاني
التي "تضرب" الذوق
السليم فترديه قتيلاً
ولا أحد يحرّك ساكنًا؟
أُغلق القوس وأعود
إلى الشيخ إمام، لأقول
إنّ تجربته تظلّ إلى
اليوم في حاجة إلى
التعريف والرعاية، فهي
من التجارب التي تشرّف
الأغنية العربيّة
وتحفظ ماء وجهها. بقي
أنّ الكثير من الأمور
تغيّرت اليوم، وعلى
الرغم من أنّنا نعيش
مرحلة استهلاكيّة
طاغية، فإنّ المناخ
الإعلاميّ أصبح أكثر
تفتّحًا على الاختلاف،
ربّما لتعدّد المنابر
والفضاءات. لذلك أمكن
لتجربة جادّة وأصيلة
ومغامرة مثل تجربة
لطفي بوشناق أن تجد
طريقها بعمق وتؤدة إلى
جمهور أوسع.
-
هل
ساهم لطفي بوشناق في
التعريف بأشعارك أم
أنّ كلماتك الجميلة
فرضت نفسها على
الآذان؟
ج:
طبعًا ساهم لطفي
بوشناق في التعريف
بأشعاري. ولا أتردّد
لحظة في إعلان ذلك، بل
ويشرّفني أن أعترف له
بجهده ومثابرته على
المغامرة. الكلمات
الجميلة لا تكفي. لابدّ
لها من صوت يوصلها
ولابدّ لها من أجنحة من
الأنغام تحلّق بها.
وإلاّ فإنّ الآلاف من
الكلمات الجميلة تقبع
في الأدراج وتذبل على
الرفوف دون أن يسمع بها
أحد. لذلك فإنّي مهما
قلت، لن أفي لطفي
بوشناق، لا الفنّان
الكبير فحسب، بل
والإنسان الرائع
أيضًا، حقّه من
التقدير والعرفان.
-
عرفت
سهرة افتتاح مهرجان
قرطاج قبل سنتين وسهرة
اختتام قرطاج لهذه
السنة نجاحًا منقطع
النظير، جماهيريًّا
وفنيًّا، وفي كلّ مرّة
تلاقي باقة من أغاني
الحفل، التي هي دائمًا
من كلماتك، رواجًا
واسعًا واحتفاءً
كبيرًا لدى الجمهور
والنقّاد، فماذا أضافت
التجربتان لشخصك؟
ج:
لا أستطيع إعطاءك
إجابة محدّدة. ربّما
ضمّدتا بعض الجراح.
ربّما أضافتا شيئًا من
الزاد لمواصلة
المغامرة. ربّما كانتا
فرصة للمزيد من
التأكّد من أنّ
التجربة الفنيّة
الجادّة، مثل القصيدة
المجدّدة التي تحفر
مجراها وتصنع قرّاءها،
بإمكانها هي أيضًا أن
تصنع جمهورها الواسع...
-
أنت
من الشعراء القلائل
الذين اقتربوا في
كتاباتهم من التعبير
عن هموم الطبقات
الكادحة وتبليغ صوت من
لا صوت لهم (مثل أغنية
المنسيّين "هذي
غناية ليهم") فهل أنّ
تجربتك الانسانيّة هي
التي غذّت هذا المنحى
في أشعارك أم أنّك
تشترك في الرؤى مع
شعراء مثل أحمد فؤاد
نجم؟
ج: في الحقيقة أنا أحاول
التعبير عن نفسي
أوّلاً وأخيرًا. وما
النفس إلاّ مصبّ لكلّ
ما يحيط بها ومن يحيط
بها في هذا العالم.
وأنا ابن هؤلاء
الكادحين وواحد ممّن
لا صوت لهم، فكيف لا
أعبّر عنهم حين أعبّر
عن نفسي. إلاّ أنّ هذا
لا يعني أن يتحوّل
الشعر أو الغناء إلى
مجرّد عرض
حال أو تعليق على
ما يحدث. إنّه أكبر من
ذلك بكثير، وهو في أغلب
الأحيان امتصاص لكلّ
ذلك وتحويل له إلى "صمت
فصيح"، إذا صحّ هذا
التعبير.
الصمت
أبو الشعر، بل لنقل
إنّه أبو الحياة من
زاويةٍ مَا، لأنّه
وحده يمكّن الشاعر
والإنسان بصفة عامّة،
من الإنصات إلى أعماقه
حيث مرايا التيه وشدو
الأسئلة الكبرى: الزمن
والفقدان والموت
والحياة ومسبحة
الألغاز التي تكرّ دون
توقّف...وإذا صادف أن
عبّرتُ عن الآخرين
وأنا أعبّر عنّي فهذا
ممّا يسعدني، لكنّي لا
أذهب إلى ذلك عمدًا أو
لمقصد معيّن. ويبدو لي
أنّ جلّ الشعراء
يشتركون في هذه الأمر.
من المتنبّي إلى
الشابّي ومن بودلير
إلى ناظم حكمت ومن
لوركا إلى نيرودا ومن
ريتسوس إلى طاغور. ولكن
لكلٍّ منهم بصمته
وإضافته لأنّه ينطلق
أساسًا من الإنصات إلى
نفسه. لقدد نشأتُ طبعًا
على الاستماع إلى
أشعار أحمد فؤاد نجم
التي غنّاها الشيخ
إمام. وكنّا نتخاطف
شرائطهما ونخفيها في
ثنايا ملابسنا لنستمع
إليها فرادى وجماعات
في عتمات غرفنا
الضيّقة، مبتهجين
بجرأتها، مبتسمين
لآفاقها المفتوحة على
الحريّة والاعتداد
بالذات. لكنّي أغرمت
أيضًا بأغاني فيروز
وبوب ديلان وبراسينس
وجاك بريل وليو فيري
والبيتلز وأغاني الجاز
العديدة والمتنوّعة
دون أن أنسى بوب مارلي
وبعض مغنّي الكلاسيك
الكبار وموسيقى
إفريقيا وأمريكا
اللاتينيّة وأناشيد
آسيا ذات العبق
الروحانيّ الآسر إلخ.
وقد وجّهت أحيانًا من
خلال بعض النصوص التي
غنّاها لطفي بوشناق،
تحيّة لبعض هذه
التجارب، كنوع من
إيماءة الحبّ والصداقة.
قمت بهذا تجاه
الرحابنة مثلاً في نصّ
"حبّي القديم"
ملمّحًا إلى أغنية
فيروز "كيفك إنت".
وهذا النوع من "الحوار"
مع تجارب سابقة أو
مختلفة أمر طبيعيّ
جدًّا وحاضر على
امتداد تاريخ الشعر
والموسيقى في العالم.
وأعتقد أن رؤية
كلّّّّّّّّّّّ فنّان
هي دائمًا في نقطة
اللقاء-الافتراق مع
الآخرين...
-
تحدّثنا عن الشيخ إمام منذ
قليل، وأنت تُعتبر من
روّاد الأغنية
الملتزمة في تونس، هذا
إذا لم نقل أنّك الشاعر
الذي شكّل أكبر نصيب من
النصوص التي تغنّت بها
الفرق التونسيّة
الملتزمة، فهل يمكن أن
نعرف رأيك في هذه
الأغنية من خلال
تجربتك معها؟
ج: هناك من يظنّ
أنّ الأغنية الملتزمة
هي الأغنية المرتبطة
بخطوط سياسيّة معيّنة.
وهذا الظنّ خاطئ.
الأغنية الملتزمة هي
تلك التي تلتزم
بشروط الفنّ
المتحرّكة والمتجدّدة
بتجدّد الحياة، أي تلك
التي تؤمن بأنّ لها
دورًا في هذه الحياة،
وليست مجرّد غيبوبة
مُنَغَّمة. إنّها
الأغنية التي تمنحنا
القدرة على امتلاك
الحياة والفعل فيها،
وهذا ما رأيناه في أفضل
تجلّياته لدى سيّد
درويش والشيخ إمام في
مصر والرحابنة ومارسيل
خليفة في لبنان، ثمّ ما
رأيناه بعد ذلك لدى
خالد الشيخ في البحرين
وصابرين في فلسطين
وماجدة الرومي أو
جوليا بطرس في لبنان
وناس الغيوان في
المغرب وصالح الخميسي
وإيمازيغن وحمادي
العجيمي والبحث
الموسيقي ومحمد بحر
والحمائم البيض والزين
الصافي وغيرهم في تونس.
كلّ حسب إمكانيّاته
واختياراته وشخصيّته.
وأذكر هذه الأسماء دون
حصر. إنّها الأغنية
التي تعطينا إحساسًا
بالزمان والمكان مثلما
نراه في كاريكاتور
ناجي العليّ أو في
أفلام شارلي شابلين.
وهي من ثمّ تعانق
الإنسانيّ وتعبر
القارّات والأجيال.
ثمّ أنّها هي التي تشفع
لنا وتحفظ ماء الوجه
حين يجيء يوم الحساب
الفنيّ، حسب تلك
العبارة الشهيرة
للشاعر والمسرحيّ
الألمانيّ برتولد
بريشت: "بعد مائة
عام، لن يقال لقد كانت
أزمنة صعبة، بل سيقال:
لقد صمت الشعراء".
وحدها الأغنية
الملتزمة بالمعنى الذي
عرّفناه قبل قليل، لم
تصمت ولم تستسلم ولم
تهرب من مواجهة الحياة.
وقد تغنّت "الأغنية
الملتزمة" في تونس
بنصوص للعديد من
الشعراء الجميلين،
أذكر من بينهم بلقاسم
اليعقوبي وكمال الغالي
والعديد من شعراء
المقاومة الفلسطينيّة
والقائمة طويلة.
وسأظلّ معتزًّا بهذه
التجربة لأنّي أعتبر
تجربتي اليوم مواصلة
لها بطرق أخرى.
-
ما دمت قد ذكرت مارسيل، هناك
حديث نشرته منذ شهرين
إحدى المجلاّت
التونسيّة، قال فيه
الفنّان مارسيل خليفة:
أنا متزوّج شعر محمود
درويش، وعاشق لشعر آدم
فتحي، فهل هناك مشروع
تعامل بينكما؟
ج: مارسيل خليفة
واحد من رموز الأغنية
العربيّة الملتزمة
بشروط الفنّ التي كنّا
بصدد الحديث عنها. وهو
صديق عزيز ويتابع منذ
سنوات ما أحاول تقديمه
وهو من أشدّ المعجبين
بلطفي بوشناق صوتًا
وتوجَّها، وعبّر أكثر
من مرّة عن الرغبة في
عملِ شيء. ونحن بصدد
إيجاد الفرصة لتحقيق
ذلك.
-
في
كلماتك الكثير من
الحنين، هل هو الحنين
حقًّا إلى الماضي
الجميل أم أنّه وسيلتك
للتواصل مع جمهور
معيّن؟
ج:
الجمهور جماهير،
والجماهير أذكى ممّا
يتصوّر البعض. وإذا
كانت الأمور مجرّد "وسيلة"
فإنّ الناس سرعان ما
يكتشفون ذلك، أي أنّهم
سرعان ما يكتشفون ما
خلف تلك الوسيلة من
منفعيّة وعدم صدق،
فينصرفون عنك إلى غير
رجعة. والأمر بالنسبة
إليّ شخصيّ كما قلت لك.
أنا أكتب كمن يفكّر
بصوت عال، ولا يهمّني
في البداية أن يعجب ما
أكتبه أحدا أو لا يعجب.
والحنين فعلاً موجود.
إلاّ أنّه ليس حنينًا
إلى ما فات. الماضي
الجميل الذي أتحدّث
عنه هو ماضٍ من صنعي.
حين نتحدّث عن الطفولة
ونمنحها شيئًا من
الهالة السحريّة، فنحن
إنّما نصنع الطفولة
التي نريد أن نعيش لا
الطفولة التي عشناها.
فما عشناه ليس بذلك
الجمال قطعًا. من ثمّ
فأنا أحنّ في الحقيقة
إلى ما سيجيء، أو لأقل
على غرار نيتشة، أنّي
أحاول أن أتذكّر
مستقبلي جيّدًا. ذلك
أنّه لا حنين إلاّ إلى
المستقبل.
-
هل
صحيح أنّ اللهجة
التونسيّة صعبة على
الفهم مثلما يدّعي بعض
المغنّين التونسيّين
المقيمين بمصر؟
ج:
هذا كلام فارغ.
-
هل
أعادت انتفاضة الأقصى
الالتزام إلى الشعر؟
ج:
بل إنّها أجبرت البعض
من الذين فصلوا الشعر
عن الحياة، إلى العودة
به إلى الحياة. هناك
"شعراء" يحاولون
جاهدين أن يجلسوا
بالشعر على الربوة، كي
يضمنوا السلامة، وكي
يجعلوه نشاطًا مأمون
العواقب، لا تتلوّث
يدا صاحبه بشيء من
أشياء الحياة، لا
بموقف ولا بانحياز ولا
بمبدأ ولا بقيمة.
والحال أنّ الشعر جلوس
دائم على فوهة بركان.
واصطفاف دائم مع
الجمال والحريّة
والسؤال ضدّ القبح
والكبت والتحجّر. لقد
حوّل هؤلاء الشعر إلى
"باروكة"، أو شَعر
اصطناعيّ، يوضع
للتغطية على الأشياء.
حوّلوه إلى جثّة
محنّطة لا حياة فيها
ولا روح. ولعلّ
الانتفاضة أرجعت إلى
بعضهم صوابه.
-
هل
هناك أدوار جديدة
موكولة إلى الشعر بعد
أن غابت عنه
الإيديولوجيا؟
ج:
كم أتمنّى هنا لو كان
هذا الحديث مسموعًا كي
ينصت القرّاء إلى صدى
ضحكاتي. ليس منك، حاشى
وكلاّ، ولكن من هؤلاء
الذين مازالوا يسوقون
هذا الرأي. هل يوجد شعر
يستحقّ هذه التسمية
إذا كان مجرّد نظم
لشعارات حزبيّة أو
وصفات سياسيّة؟ طبعًا
لا. إذَنْ فالسؤال غير
مطروح. أمّا إذا كان
المقصود
بالإيديولوجيا،
الجانب الفكريّ
والسؤال والبحث عن
المعنى، فهل يمكن
للشعر أن يخلو منها
مهما حاولنا؟ طبعًا لا.
إنّ هؤلاء الذين
يتحدّثون عن سقوط
الإيديولوجيا بنوع من
الشماتة، وكأنّها قتلت
لهم واحدًا من
العائلة، هم في
الحقيقة أصحاب
إيديولوجيا متخفّية،
لا تريد التصريح
باسمها. وهم في
محاولتهم خلق خصومة
بين الشعر والمعنى،
إنّما يحاولون مجرّد
محاولات يائسة تجريد
الشعر من مخالبه
وأسنانه وعموده
الفقريّ، وتحويله إلى
كائن رخويّ سهل
الترويض والتطويع.
صحيح أنّ الشعر وردة،
ولكن الوردة حين تكون
بلا أشواك، أي بلا
أسنان تدافع عنها،
فإنّ الجميع يأكلها
كما قال أوكتافيو باث،
حتّى الفراشة...
-
أعلن
البعض موت الشعر أمام
زحف التكنولوجيا، ما
هو رأيك؟
ج:
كلّما أعلنوا عن موت
الشعر طلع عليهم الشعر
حيًّا يُرزق، بل وأكثر
فتوّة وشبابًا. والحقّ
أنّ هؤلاء الذين
يحدّدون موت الشعر
بولادة التكنولوجيا،
ينسون أنّ التكنولوجيا
ابنة الشعر، على الرغم
من الاختلاف والمفارقة.
إنّ كلّ هذا الذي نراه
اليوم من آلات عجيبة
ووسائل اتّصال وجولان
وتحكّم في عناصر
الطبيعة وتدخّل في
الجينات والخلايا
وترويض للزمان والمكان
إلخ، كان في البداية
أحلام شعراء. ولنعد إلى
الأساطير والملاحم
والقصائد القديمة حتّى
قبل ظهور كُتب الخيال
العلميّ. وحتّى إذا حلم
بالإيجابيّات دون أن
يتصوّر السلبيّات،
فإنّ الشعر هو الذي حلم
بهذا الزمن، وسيظلّ
كلّ زمن محتاجًا إلى
شعر يحلم بما يليه...أمّا
هواة النعي فلنتركهم
إلى هوايتهم المفضّلة.
وكما قال المفكّر
والكاتب التونسيّ سليم
دولة: ماذا يمكن أن
ننتظر من أصحاب الوعي
الجنائزيّ الإسمنتيّ
المسلّح...
|