آدم فتحي مع العرب

-      يقال عنك إنّك شاعر الأحداث الساخنة، فما ردّك؟

   ج:    كأنّي بقائلي هذا الكلام من هواة "الآيس كريم" أو من المتعاملين مع الشعر على أساس أنّه "ثلاّجة" لا صلة لها إلاّ بالبارد والبرودة وسائر مشتقّات الصقيع والأقاصي الجليديّة...أعتقد أنّ هذا "القول" يستمدّ شرعيّته من قراءة مُعيّنة لبعض نصوصي الشائعة، والمرتبطة في ظاهرها على الأقلّ بأحداث سياسيّة يعتبرها البعض "ساخنة" كأيّام الخبز في تونس أو أحداث الجزائر أو شهداء المقاومة اللبنانيّة أو حرب الخليج أو انتفاضة الأرض المحتلّة أو حصار شعبنا في الجماهيريّة الليبيّة أو محنة ساراييفو  إلخ...وهذه أحداث تفاعلتُ معها حقًّا، لأنّي أعتقد أنّ الإبداع ليس بديلاً عن الواقع، بل هو كيان ينضاف إلى الواقع، ولأنّ هذه الأحداث جزء من تجربتي الإنسانيّة التي أستمدّ منها تجربتي الشعريّة. أنا لا أومن بإمكانيّة أن يعيش الشاعر وكأنّه غير موجود في العالم. والشعر في رأيي، والفنّ عمومًا، لا يتمّ بالتعالي عن الأحداث، بل بالتعالي معها، أي بـ "تأميمها" وإعادة امتلاكها فنيًّا. والأحداث قد تكون سياسيّة، أو نفسيّة أو عاطفيّة، ولكنّها قد تكون معرفيّة أيضًا، فلسفيّة أو علميّة...وقد تصلنا من خلال صورة أو كتاب أو فكرة أو لون أو رائحة...أنا مع الفنّ الذي يغامر ويحلّق بعيدًا وقد يقف على تخوم الأسطوريّ والساحر واللامعقول، وقد يتوغّل في ثنايا الباطن وأغوار الروح، إلاّ أنّي في الوقت نفسه وبتناغم كامل مع ذاتي، ضدّ الفنّ الأعمى والأصمّ والأبكم الذي يدّعي "الصفاء" و"التعالي" عن اليوميّ والواقعيّ و"البرّانِي" باسم الابتعاد عن السياسة أو الإيديولوجيا، في حين أنّ الأمر مجرّد تعلاّت لتبرير الجبن والتقاعس والنفاق والفرار من المواجهات الحارقة...وليس أجمل من عبارة بريخت في هذا المجال: "بعد مائة عام، لن يقال لقد كانت أزمنةً صعبة، بل سيقال: لقد صمت الشعراء..." وعمومًا فالأحداث التي ذكرتها لا تقتحم كتابتي إلاّ بعد أن تتحوّل من "شأن عامّ" إلى جزء من "شؤوني الخاصّة" والحميمة. إلاّ أنّها تظلّ مع ذلك جزءً بسيطًا من الكمّ الهائل من الأحداث الأخرى التي تخترق ممارستي للكتابة، والتي قد تتمثّل في دهشة الوقوف أمام ورقة خرّوب تذبل، أو آهة الانكسار أمام رفّةِ نهد على صدر، أو رجّة الارتطام بفكرة الموت أمام الخوف من انفلات الزمن، أو محنة العري في أعاصير مساءلة الكتابة عن عجزها أو جدواها...المهمّ في الأمر هو كيف يتعامل الشاعر "شعريًّا" مع كلّ هذه "العناصر". فهذه وتلك كلّها أحداث. وهذه ليست أقلّ ولا أكثر "سخونة" من تلك...بل إنّ الأحداث التي تبدو ساخنة، قد تكون في حقيقة الأمر قاتلة البرودة، وتحتاج إلى الشعر كي يُدفئها، وقد يحدث العكس أيضًا، فتدفئ هي بحرارتها الشعر والشاعر...

 -      ولكن، أما تزال حرارة الواقع تدفئ الكتابة؟ بأيّ شكل يحدث هذا في شعرك؟

 ج:    الواقع والكتابة يتبادلان الدفء (أو البرودة)، وسيظلاّن كذلك...والأمر يحدث في شعري أو شعرك كما ينبغي له أن يحدث، أي بطريقة شعريّة...ولعلّ هذا  السؤال كثيرًا ما جابه شعراء مثل نيرودا أو حكمت أو أراغون أو شعراء فلسطين، باعتبارهم صنفًا " مُتَّهَمًا" بالشأن العامّ أو السياسيّ، ومختلفًا عن الآخرين، والمقصود بالآخرين بودلير مثلاً أو رامبو أو كافافي أو بيرس...وهذه المقارنة الخاطئة ناشئة عن عدم الاطّلاع الكافي على أعمال هؤلاء الشعراء، ممّا نتج عنه سوء فهم فادح لتجاربهم، وسوء فهم للحداثة أصلاً...ما كان ديوان "أزهار الشرّ" ليتعرّض إلى ما تعرّض إليه من محن لولا وقوفه، على طريقته، في المحور من أحداث عصره وقضاياه، ممّا مكّن موريس نادو سنة 1955 من كتابة مقالة بعنوان "سياسة بودلير"...ونلاحظ الأمر نفسه لدى رامبو في أكثر من نصّ، أذكر قصيدته التي كتبها سنة 1870: "يا موتى الثاني والتسعين والثالث والتسعين..." وإذا كانت هذه إحدى قصائد البدايات، فها هو في واحد من أنضج ما كتب من نصوصه: الإشراقات، يتفاعل مع الدفاع المستميت عن قلعة ميزير، وما عقبه من تدمير للبساتين المجاورة، قائلاً في قصيدة "حكاية" مثلاً: يا لها من مذبحة لحديقة الجمال... أمّا كافافي الذي تعتبره مارغريت يورسونار "أصعب الشعراء"، فيكفي أن نذكر قصيدته التي تحمل كعنوان، تاريخ إعدام أحد الفلاّحين...وأمّا سان جون بيرس فيكفي أن نقرأ "آناباز" بتمعّن، كي نرى تفاعل الشاعر مع عادات جزر الأنتيل وأحداثها التاريخيّة...والأمثلة عديدة...وكُلّها في خدمة استنتاج وحيد: أن لا حقيقة للشعر المحايد أو "الخالص"، أي الشعر الخلْوِ من أيّ صلة بالواقع أو التاريخ... ولعلّ الشعر والفنّ عمومًا، لا يستطيع اختراق زمانه ومكانه إلاّ إذا كان متجذّرًا فيهما متشبّعًا منهما. الشعر عابرٌ للتاريخ، ليس لأنّه " لاَتاريخيّ"، بل لأنّه تاريخيّ بالمعنى العميق للكلمة. والفنّ عمومًا ليس موظّفًا والواقع ليس إدارة...الفنّ قد يكون "مُتمرّدًا" على الواقع، بل هو أساسًا فعلُ تمرُّد، إلاّ أنّه لا يمكن أن "يستقيل" من الواقع كما يستقيل الموظّف من إدارته...والتمرّد نفسه ليس في نهاية التحليل سوى موقِف ممّا يحدث في الواقع والتاريخ، وهو "صِلةٌ" في حدّ ذاته، وتأكيد لهذه الصلة، التي ينفيها البعض باسم فهم مسيء لفكرة الحداثة ذاتها...

 -      وما سبب هذا الفهم السيّء أو المُسِيء للحداثة، حسب رأيك؟

   ج:     الأسباب عديدة ومختلفة. لعلّها تعود في أساسها إلى ما ورثناه عن أحد أبعاد الفكر اليوناني القديم و أعدنا تلقّفه بواسطة الفكر التنويري الغربيّ في شكل ثنائيّات جامدة ومجَمِّدة: الإبداع والانعكاس، المعقول واللامعقول، الواقع والخيال، الآنيّ (باعتباره تاريخيًّا) والأبديّ (باعتباره خارجًا على التاريخ) إلخ...لقد ثبت اليوم أنّ هذه الثنائيّات تعبّر عن تقابل وهميّ لا أساس له من الصحّة. بل أصبح من الجائز تصوّر الشيء وضدّه، وأُعيد النظر في نظريّة الثالث المرفوع، وأصبح من البديهي أن يردّ بوهر (عالم الذرّة الدانمركي) على إينشتاين بالإيجاب أمام ذلك السؤال الماكر: هل يلعب الله النرد؟ بتعبير آخر هناك مفاهيم جديدة دخلت على الخطّ، مثل الفراغ والصدفة واللاحتميّة والاحتمال، أساسًا مع دخول نظريّة الكوانتم حيّز الوجود العلمي والفكري ومن ثمّ الفنّي والإبداعي. وتبعًا لكلّ ذلك صالحت الحداثة بين الكيان ومكوّناته أو عناصره. لم يعد العاجل مناقضًا بالضرورة للآجل، ولم يعد الخيال (أو العجيب) منافيًا بالضرورة للواقع. لقد أصبح الواقع قابلاً لكلّ صورة بما في ذلك صورة العجيب ذاته. بل أنّ العجيب يتولّد اليوم من الواقعيّ، فهل أعجب ممّا يكشفه لنا "البحث العلميّ" يوميًّا في شتّى المجالات...ولهذا كلّه تأثيره الواضح على الأدب والفنّ. لذلك فأنت ترى أدباء اليوم نادرًا ما يكتفون بلافتة واحدة، أو جنس أدبيّ نقيّ. كما أنّك نادرًا ما ترى فنّانًا في عالمنا اليوم، يعي تمامًا معنى هذه الكلمة، دون أن يكون في فنّه متفاعلاً مع عالمه، شاهدًا عليه، حالمًا بسيرورته، متوغّلاً فيه حدّ الاختراق.

 -      "سبعة أقمار لحارسة القلعة"، كتابك الشعريّ كان فاتحة لكتابة شعريّة منسرحة من التقليد، لكن أناشيد لزهرة الغبار" جرَح هذا الاعتقاد لديّ...

 ج:     لنبدأ بمسألة التقليد يا صديقي. إذا كان مجرّد سرد أحداث واقعةٍ مَا (أي تحويلها إلى حكاية) تغييرًا لوقائعها، على رأي ناتالي ساروت، ألا يكون التقليد (باعتباره إعادة إنتاج أي نوعًا من إعادة السرد ومن ثمّ التحويل) تجديدًا في حدّ ذاته؟ ثمّ ما هو نقيض التقليد؟ هل هو النسج على غير مثال؟ أنت تعلم أنّ هذه الفكرة  أصبحت اليوم مضحكة، تمامًا كفكرة إمكانيّة البداية من العدم. هل هو التجديد المُعلَن عنه المُروَّج له كما تروّج الإعلانات للبضائع؟ وهل التجديد بهذا المعنى هدف في حدّ ذاته، إلاّ بالنسبة إلى من يرى الكتابة نوعًا الفبركة لا غاية له إلاّ الحرص على تقديم بضاعة "جديدة" للسوق؟ الكتابة شبيهة بصاحبها، والكاتب في النهاية هو كائن بيولوجيّ أيضًا. والبيولوجيا علّمتنا أنّنا قد نكتسب الكثير ولكنّنا نرث الكثير أيضًا. ولا أحد من الكائنَيْن (البيولوجيّ والأدبيّ) قادر على الخلاص من جيناته أو من لوحه الجينيّ...بل لا مصلحة لأحد من الكائنين في هذا الأمر...كلاهما يتوق في أفضل الحالات إلى أن تكون الغلبة لمكتسباته. أي أن ينفتح على حاضره ومستقبله دون تنصّل عبثيّ من ماضيه الحيويّ فيه...ولكن دون نزعة ماضويّة مَرَضِيّة تقلّص من المجال الضروريّ لخلاياه الميتة كي تموت...ولكنّ لكلٍّ منهما أدواته، الكائن البيولوجيّ له التربيةُ والمواطَنةُ وترويض الذات على غير غرائزها البدائيّة، والكاتب له المعرفة والثقافة ووضع الموهبة على محكّ الإنصات إلى التجربة الحياتيّة الذاتيّة والعامّة...على هذا الأساس لم أر كاتبًا مجدّدًا إلاّ كان جماع ما سبقه من الكتّاب...ولم أر كاتبًا مجدّدًا إلاّ كان التجديد آخر اهتماماته ومشاغله...الكاتب يكتب ليحاول اختطاف الفرح من بين أنياب اليأس، أو ربّما ليصبح موته ذا صوت مسموع ومضيء...وهو لا يستطيع التجديد إلاّ بقدر تمثّله لقدامته...إنّه كالجنين الذي يخرج إلى الدنيا. يجب ألاّ يقطع الحبل السرّي إلاّ في وقت معلوم...أي حين يكون القديم فيه تحديدًا، قد مكّنه من النضج الضروريّ لقطع هذا الحبل...ولعلّ أدعياء التجديد بمعنى التنصّل التامّ من كلّ ميراث، هم أخطر سدنة القديم وأكثر من يعمل في خدمته...

-      هل تقصد بهذا أنّ التجديد ليس أمرًا مطلوبًا من الكاتب؟

 ج:       بل أقصد أنّ التجديد نتيجة لعمل الكاتب وليس غاية مسبَقة...وأشير هنا إلى ما جاء به جورج ستاينر في ما معناه أنّ كلمة الجِدّة قد تقع بنا في محاذير الفهم التبسيطي الذي يقودنا إلى مفهوم "البداية من جديد"، مثلاً، والحال أنّ الإبداع الفنّي لا يبلغُ الشاطئ طريفًا وذا مذاق خاصّ إلاّ بقدر ابتلاله بمياه القدم...

  قصارى ما يطلبه الكاتب  أن ينصت إلى ذاته وهي تطلب قمّة جبلها الخاصّ، ولعلّه لا يبلغ تلك القمّة إلاّ إذا تزوّد بالكثير من الماء، الماء الموجود في عيونه الجارية وجداوله السيّارة، والماء الذي ينقّب هو عنه...ولكن المهمّ ليس الماء، بل القمّة التي يطلبها الكاتب ويعيش أو يموت من أجل بلوغها...ولعلّه لا يبلغ ما يطلب إلاّ إذا استأنس بحصيلة قراءات وتجارب حياتيّة وفنيّة، يجعل منها ومن أصحابها "حَمَلةَ ماءٍ" في طريقه إلى تلك القمّة، قمّة جبله الخاصّ...أمّا ما عدا ذلك فمتروك إلى القرّاء والنقّاد، وهو ليس من اهتمامات الشاعر أو الكاتب. وكم يضحكني ما أقرأ هنا أو هناك لبعض الكتّاب من أنّهم خاضوا هذه التجربة أو تلك من أجل التجديد، وكأنّ المسألة تتعلّق بشراء ملابس جديدة للعيد القادم...التجديد نتيجة وليس غاية...وهو نتيجة الفشل والتعثّر قبل أن يكون نتيجة النجاح. ولعلّه نتيجة الإنصات إلى الذات في مأزق ألفتها مع ما هو مختلف أكثر ممّا هو نتيجة ادّعاء الاختلاف مع ما هو مألوف...

 -      ولكن ألا يعني هذا أنّ تجربة الكتاب الأوّل لديك، كانت عصيّة على الإمساك بها والتواصل معها؟

 ج:   الكتابة بالنسبة إليّ جملة تتالى مفرداتها على امتداد الحياة...كلّ كتاب في هذه الجملة هو بمثابة المفردة...وعلى هذه المفردات أن تختلف لتؤلّف جملة...وليس من مهامّي أن أمسك بمفردة واحدة وأظلّ عاكفًا على لوْكها مثلما تلوك العجائز اللبان...إلاّ أنّ هذه المفردات على اختلافها تتآلف وتتعاضد لتأليف الجملة، وعلى القارئ أن يكتشف أسرار هذا التآلف والتعاضد...الكتابة من ناحيةٍ ثانية تيهٌ أزليّ ومنفى دائم...إنّها خطوات تتالى لعبور السبيل...وكلّ إمساك بخطوةٍ من الخطى هو سكون ومقام...إلاّ أنّ كلّ خطوةٍ ستبدو في النهاية ضروريّة لاكتمال الطريق...والكتابة من ناحية أخرى مشروع جوهريّ وإلاّ تحوّلت من لعبٍ جادّ إلى لهوٍ صبيانيّ...إنّها عمود فقريّ بالنسبة إلى كلّ كاتب حقيقيّ...وأنا جسد له عمود فقريّ وله أطراف أيضًا...وليس بإمكانك أن تحكم على الجسد إلاّ بعد أن ترى الأعضاء كُلّها وهي قائمة حول عمودها الفقريّ...بيني وبين الكتابة علاقة الموسيقار\المايسترو\العازف بأوركستراه أثناء تقديم سمفونيّة لا تنتهي إلاّ بالموت...في هذه السمفونيّة مقاطع قد تكون محاورة للذاكرة، بما هي نصّ غائب نقيض أو بديل أو رديف، ولكنّ هذه المقاطع تفاصيل صغيرة، ومحدودة جدًّا بالنسبة إلى السمفونيّة ككلّ...وعليك أن تتابع السمفونيّة إلى نوطتها الأخيرة كي تراها تصبّ في خانة واحدة وحيدة: خانة التعبير عن ذات مختنقة\مجنّحة بأفراحها وأتراحها ومآزقها وشروخاتها وصرخاتها ولحظات صمتها المدوّية...والكتابة في رأيي نصّان: النصّ الوجه والنصّ المرآة، أو لنقل النصّ المحوريّ والنصّ المداريّ...نصّ هو بمثابة الأرض، ونصوص أخرى هي بمثابة الأقمار تدور حوله وتضيئه...على هذا الأساس تستطيع مقاربة تجربتي في مختلف تجلّياتها...ولكنّي ألحّ على أمرين: النصّان لهما الدرجة نفسها من الأهميّة، هذا هو الأمر الأوّل. أمّا الأمر الثاني، فهو أن لا أحد يعرف في النهاية، أيّهما النصّ الوجه وأيّهما النصّ المرآة، ذلك أنّهما يتبادلان المواقع باستمرار...وبدون  أحدهما لا يمكن الحديث عن تجربةٍ أصلاً...

 -      يضعك البعض في زمرة الشعراء الملتزمين، فيما يرى البعض الآخر أنّك تحوّلت عن موقعك القديم إلى مدار قد تصحّ فيه كلمة النضج الفنّي والابتعاد عن المزايدات السياسيّة وغيرها؟ ما هي حسب رأيك أهمّ منعرجات تجربتك إن صحّت العبارة؟

 ج:     ها أنا أكتب منذ قرابة ربع القرن يا صديقي، فمتى تصحّ عبارة "تجربة" إن لم تصحّ على مثل هذا "الإصرار إلحاحًا"؟..و لماذا استعملت كلمة "زمرة" دون غيرها في حديثك عن "الملتزمين"؟ ثمّ أين قرأت يا صديقي، ولمن قرأت، أنّي تحوّلت عن موقع قديم؟ إلاّ إذا كنت تشير إلى نميمة بعض الجراد في المقاهي، وهذا ليس مرجعًا، فمن طبع جراد النميمة الادّعاء باطلاً والتشويه مجانًا...ولكن لا بأس...فأنت تعرف عدم رغبتي في التعاطي مع بعض المسائل "السيميولوجيّة" التي يثيرها أحيانًا "شكل" الأسئلة أكثر ممّا يثيرها "المضمون"...

    الكتابة تيهٌ ومنفى كما قلت لك...أي أنّها لا تستند إلى موقع تدافع عنه...إلاّ أنّها لا تفصح عن تجربة واضحة المعالم إلاّ إذا سارت في الاتّجاه الذي تختاره...ذلك هو فهمي للالتزام كما اقتنعت به منذ أكثر من عشرين سنة، وكما أجدني مقتنعًا به إلى اليوم: التزام بالجمال والحريّة والعدل والحضور في "الآغورا" أو الساحة والاكتواء بنار "المُواطَنَة" بما تتطلّبه من انحيازٍ إلى صاحب الحقّ والشهادة على التزوير والدفاع عن القيم...ولا أظنّ أنّ في تاريخ الشعر والفنّ أسماء كبيرة خارج ضفّة هذا الفهم الجوهريّ للالتزام، مع حفظ الاستثناءات التي قد يمكّننا البحث العميق من إلحاقها بالقاعدة...ولعلّ في جرأة الكثيرين هذه الأيّام على نعي الالتزام في كلّ معانيه، بشماتة واضحة، إشارة إلى ثأر دفين يعصف بقلوب البعض منذ سنين، لتبرير ركونهم إلى السهولة والخنوع والبحث عن المواقع المريحة...وكأنّ سقوط حائط برلين أو انهيار الاتّحاد السوفييتي أو هبوب رياح العولمة مبرّرات كافية لإخصاء الفنّ من كلّ إمكانيّات المقاومة فيه...الالتزام رفض لعمى الفنّ وصممه وبكمه...إنّه تيه ومنفى في اتّجاه لا يضلّ عن نجمة شماله...ولعلّي من بين قِلّةٍ في بلدي لن تجد في كتابتهم حرفًا واحدًا يشي بأنّهم رجعوا عن هذا الاتّجاه...أمّا الأدوات فهي تتطوّر وتختلف، فتلك سنّة الحياة...

 -      والشعر الغنائيّ؟

 ج:        إنّه أحد عناصر الأوركسترا التي حدّثتك عنها...أكتب الشعر أساسًا، هذا صحيح...ولعلّ في إصداري لثلاثة كتب شعريّة إلى حدّ الآن، بالإضافة إلى شريطي كاسيت يتضمّن كلّ منهما قصيدة مطوّلة، لعلّ في ذلك دليلاً على أنّ الشعر هو اهتمامي الأساسيّ...إلاّ أنّي أحسّ بالرغبة في التعبير بوسائل أخرى...لا تسألني عن الأسباب فأنا لا أعرفها...كلّ ما أعرفه أنّي محتاج إلى محاورة النثر سردًا ونقدًا...محتاج إلى الترجمة...محتاج إلى محاولة الدراما التلفزيونيّة، والسينما...والأغنية وجه من وجوه رغبتي في التعبير...وقد بدأت مع الفرق الملتزمة في تونس وتوّجت تلك التجربة التي تطوّرت على امتداد أكثر من عشر سنوات، برحلة ممتعة مع الشيخ إمام عيسى...ثمّ ها أنا أواصلها مع الفنّان لطفي بوشناق...المهمّ أنّي أحاول في الأغنية التي اكتبها أن أكون مساويًا لنفسي...أي أن أحمل إلى الأغنية هواجسي كشاعر: معجم خاصّ، حساسيّة لا تقترب من العامّ إلاّ بقدر ما يصبح ذاتيًّا، الابتعاد بها عن الغرضيّة، فتح عينيها وأذنيها وشفتيها على ما يحدث في العالمين: الفردي والجماعيّ، جعلها مواكبة لما وصلت إليه أسئلة الشعر العربيّ...ولعلّ جمهور هذه التجربة يستطيع إكمال القائمة أفضل منّي...ولعلّي في كلّ هذا أعود إلى استرجاع تسميةٍ أطلقتها على بودلير في تقديمي ليوميّاته حين نقلتها إلى العربيّة، إذ سمّيته "الكائن الأوركستراليّ"...

 -      على ذكر ترجمتك هذه ليوميّات بودلير، كيف أتيت هذه التجربة التي يبدو أنّها استهوتك، فها أنت تترجم رواية جيلبرت سينويه " ابن سينا أو الطريق إلى أصفهان"، ثمّ ها أنت تترجم رواية نعيم قطّان "وداعًا بابل"؟

 ج:       الترجمة في اعتقادي قراءة بصوت مكتوب...هناك كتب أستمتع بقراءتها، لسبب أو آخر...وأتمنّى مباشرة نقل هذه المتعة إلى أحبابي...والترجمة إحدى أفضل الطرق لنقل هذه المتعة...

 -يبدو أنّ قولة راينر ماريا ريلكة ضمن إحدى رسائله إلى شاعر ناشئ والتي يمكن ترجمتها على النحو التالي: يجب أن تبحث عن الحاجة التي تدفعك إلى الكتابة"، ما تزال ذات رنين متواصل إلى اليوم، ما الذي يدفعك إلى الكتابة؟

 ج:       لقد قرأت لريلكة وأحببته، خاصة في جزء من "كتاب الساعات"، إلاّ أنّي لم أحبّ تلك الانسيابيّة المشوبة بالشفقة المتديّنة التي تطلّ من أغلب نصوصه، وكأنّه يحاول إبعاد تهمة "شاعر القصور" إن لم يكن "شاعر البلاط"...على أنّي بالنسبة إلى العبارة التي ذكرتها،  أفضّل قول د.لطفي اليوسفي، مثلاً : "على الكاتب أن يطلّ على مدارات الرعب فيه"...أو قول سليم دولة: على الكاتب أن يفجّر المكبوت فيه"...ذلك أنّي أرى أنّه من الخير لمن يحتاج إلى دافع للكتابة، ألاّ يكتب أصلاً...