|
حوار
مع جريدة الصباح
الأسبوعي
س:
كيف استطعت أن تُضمّن
نصوصك المُغَنّاة
الذاكرة المتحدّثة عن
نفسها والقضيّة
المتحرّكة في صلب
الواقع، إلى درجة
الارتقاء بالكلمات إلى
ما يُسمّى بواقعيّة
الصورة؟
ج:
لا أعرف إن كنت قد حقّقتُ
فعلاً كلّ هذا
الذي
تتحدّثين عنه.
الشيء الوحيد الذي أعرفه
هو أنّي
لا أستطيع إلاّ أن
أكون شبيها بنفسي في كلّ
ما أكتب أو أُنتج. أي أن
أنصت إلى ما يحدث في نفسي
وفي العالم باعتباره
جزءً منّي وباعتباري
جزءً منه. ولعلّ ما يجمع
بين قصائدي أو أغانيّ أو
نصوصي المختلفة أو حتّى
برامجي التلفزيونيّة، هو
أنّي لا أقف خارج دائرة
هواجسي وأسئلتي وآلامي
وأحلامي واختياراتي
الأساسيّة. صحيح أنّها
دائرة تتّسع وتتطوّر،
ولكنّها لا تستطيع
التخلّي عن ملامحها
الحميمة: هوس بالحريّة
والعدل والجمال، إحساس
بانفلات الزمن وتفتّت
المكان، تمزّقٌ بين
غواية القول والحدس بلا
جدواه، محاولة لممارسة
المواطنة وارتطام يوميّ
بكلّ ما يناقضها،
استعداد للموت وشغف
بالحياة، احتفال طفوليّ
بصمت الباطن وانفتاح
صوفيّ على بيان الخارج ،
الاحتفاء نفسه بنملة
تدبّ على جذع شجرة خرّوب،
وبمفهوم مجرّد يرقص في
فكرة شاردة، إصرار على
البراءة والدهشة أساسًا
ضمن كلّ ما هو ضدّ
البراءة والدهشة، مطاردة
المعنى على الرغم من – أو
ربّما بفضل – المعانقة
اليوميّة للامعنى، وغير
ذلك ممّا أعرف ولا أعرف،
حين أحاول أن أطلّ على
تجربتي من بعيد كما يطلّ
عليها أيّ قارئ أو متلقٍّ...
تلك بعض من العناصر
المتقاطعة، أو المتناقضة
- لِمَ لا؟ - التي
قد تكون جعلت قصائدي
أو أغانيّ في ملتقى
الواقع والخيال، أي في
نقطة التقاطع بين ما هو
حلم أو نسيان وما هو حنين
أو تذكُّر. ولعلّه "تذكُّرٌ
للمستقبل" على غرار
تلك العبارة الشائعة...
س:
كيف تفسّر هذا الجمع بين
المتناقضات لديك؟
ج:
لا تفسير لديّ. ولا
يهمّني التفسير. هذا إذا
صحّ أنّها متناقضات.
ألسنا جميعنا كتلة من
التناقضات المتناغمة؟ في
مقدّمتي ليوميّات بودلير
سمّيته الكائن
الأوركستراليّ، ولعلّي
كنت أعني نفسي بهذه
التسمية، بل وأعني كلّ
كائن حيّ لا يريد أن
يتفصّى من مكوّناته.
أليست الأوركسترا مجموعة
من الآلات المختلفة؟
المهمّ أنّها حين تعزف،
تتناغم، وتقدّم معزوفة
لها هويّتها وطعمها
وأثَرُها. ولعلّك
تستطيعين أن تلمسي مثلما
لمس العديد من النقّاد،
تناغم هذه المكوّنات
المختلفة، في كلّ ما ظهر
لي حتّى الآن من أعمال،
بداية من أوّل كتاب شعريّ
"سبعة أقمار لحارسة
القلعة" منذ سنة 1982،
مرورًا بتجاربي
الثنائيّة في الأغنية مع
مجموعة البحث الموسيقيّ
بقابس ومحمد بحر
والحمائم البيض وأولاد
المناجم والزين الصافي
والشيخ إمام عيسى
وغيرهم، وصولاً إلى ما
أنشره هذه الأيّام من
قصائد جديدة، وما أقدّمه
مع الفنّان لطفي بوشناق
من أعمال...
س:
على ذكر تجاربك
الثنائيّة، لاحظنا
والحقّ يُقال، أنّك لم
تقترن ثقافيًّا بطرفٍ
ثانٍ إلاّ وكان النجاح
حليفه، ما السرّ في
تعلّقك بالعمل الثنائيّ؟
ج:
بالنسبة إلى العمل
الثنائيّ،
لديّ يقين بأنّ "الفرديّة"
لا تُطلَقُ في الفنّ إلاّ
على سبيل المجاز. المسرح
نتيجة التقاء كاتب
بمخرج، وكذلك السينما،
فما بالك بالموسيقى
وخاصّة الأغنية. بل أنّ
الكتابة نفسها التي تبدو
"فرديّة" بالأساس
ليست في النهاية سوى
حصيلة تفاعل الفرد مع "الآخرين"
من خلال "نصوصهم
الغائبة\ الحاضرة"...أنا
إذن من المؤمنين بضرورة
العمل الثنائيّ والجماعي
بحثًا عن التكامل. وقد
سرت في هذا الاتّجاه على
كلّ الأصعدة...وإذا بدا
للملاحظين أنّ النجاح
صاحب هذه الثنائيّات،
فقد يكون ذلك لأنّي أذهب
إليها دائمًا بمهجتي
كلّها، دون اهتمام
بالحسابات الصغيرة، ودون
تفكير في تفاهات من نوع
من يستفيد أكثر، ودون
إصغاء إلى ما يدخل على
"الخطّ" من نشازات
هواة تدمير العلاقات...والغريب
أنّ هذا الأمر الذي يشكّل
القاعدة في تاريخ الفنّ
العربيّ، لا يبدو
استثناءً إلاّ لدى البعض
من التونسيّين أساسًا.
وكأنّهم ينسون "الثنائيّات"
العديدة التي صنعت كلّ
شيء جميل في تاريخ
الأغنية مثلاً: أمّ كلثوم
وأحمد رامي، عبد الوهّاب
وأحمد شوقي، الشيخ إمام
وأحمد فؤاد نجم،
الرحابنة وفيروز، إلخ...وقد
سافرنا كثيرًا أنا ولطفي
بوشناق فلم يُطرح علينا
سؤال الثنائيّة في صحافة
أيّ بلد بقدر ما طُرِح
علينا في بعض الصحف
التونسيّة. بل أنّ هناك
من يطرحه وكأنّه يتوقّع (أو
يتمنّى) في كلّ مرّة، أن
يشاهد "انفجار" هذا
الثنائيّ، كي "تعود
الأمور إلى سيرها
الطبيعيّ" كما يراه
هو، وكما هو سائد، أي إلى
عمل فردانيّ يدافع فيه
كلٌّ عن رايته الخاصّة
وعن مصالحه الشخصيّة
الضيّقة...
س:
ما دمت قد مهّدت للموضوع،
ما
هو الخيط الرفيع الذي يصل
اليوم الشاعر آدم فتحي
بالمطرب لطفي بوشناق ؟
ج:
التقاء الذاتي
بالموضوعيّ. لطفي بوشناق
فنّان كبير. ولعلّه من
بين قلّةٍ من أسماء هذا
الجيل التي ستحتفظ بها
ذاكرة التاريخ. إلاّ أنّه
إنسان أيضًا، بالمعنى
التامّ للكلمة. يجيد
الصداقة، ويقدّر قيمة
المواقف، ويعرف معنى
المغامرة على الرغم من
هشاشة الجناح. هذا
التوازن بين ما هو ذاتيّ
حميم وما هو موضوعيّ
حِرَفِيّ، هو الذي جعلني
أنسجم مع لطفي. فأنا لا
أومن بالعلاقات المهنيّة
التي لا تسندها الصداقة...كلمة
الصداقة لها أولويّة
خاصّة عندي...وقد التقينا
في مرحلة حسّاسة. كانت
مجموعات الأغنية البديل
التي تعاملت معها قد
توقّفت لأسباب مختلفة،
وكنت أبحث عن طريقة
لمواصلة هذه التجربة
وعدم إهدار ما تراكم من
خبرة ونضج رؤية على
امتداد سنوات، وكنت
معجبًا بلطفي كطاقة
فنيّة، إلاّ أنّي كنت أرى
منجزه دون ما يمكن أن
تحقّقه تلك الطاقة. ولحسن
الحظّ، كان اللقاء في
مرحلة حاسمة من تجربة
لطفي. مرحلة تأكّد فيها
من أنّ الأغنية ليست
ترفيهًا فحسب، بل هي جزء
من الشيء الثقافيّ
والفكري والحضاري. وأنّه
لابدّ لنا من أغنية
تشبهنا، وهي لا يمكن أن
تشبهنا إلاّ إذا
أخرجناها من قفص "الأغراض"
الكلاسيكيّة، وجعلناها
تفتح عينيها على المكان
والزمان، وعلى الحياة
بمختلف وجوهها...وهذا في
الحقيقة ليس "اختراعًا"
لأغنية جديدة، بقدر ما هو
عودة بها إلى مكانها
الطبيعيّ الذي عرفته
الشعوب على امتداد
التاريخ...
س:
في هذا المجال، أثبتت
التجربة أنّك شاعر
غنائيّ ناجح، يحاول
بأسلوبه الخاصّ تغيير
مقاييس الأغنية
التونسيّة على الأقلّ
داخل رقعتها المصغّرة،
لكن ألا تخشى، إذا بقيت
هذه التجربة تدور حول
نفسها في نَمَطِيّة
مُعَيَّنة، أن
تُمنى في نهاية
المطاف بالتكرار
والاجترار؟
ولم الخوف؟ صمت رامبو...
فلماذا لا أصمت إذا شعرت
بأنّي لن أقول شيئًا؟ ثمّ
مِمَّ الخوف؟ أغنيتنا
تشبهنا وتواكب أسئلتنا
وأحاسيسنا أمام سيرورة
الحياة، وهي تتطوّر مع
تطوّر هذه السيرورة،
فكيف تتكرّر؟ إلاّ إذا
كانت البصمة أو الطعم أو
الرائحة أو الهويّة
وجوهًا للتكرار. فهل يعني
ذلك أن يعمد الواحد منّا
كلّ سنة أو سنتين إلى
تغيير أنفه أو لون بشرته
تجنّبًا للنمطيّة و"التكرار"؟
س:
أنت شاعر وإعلاميّ وكاتب
له حضور في أدب المقال
والنقد والترجمة، ثلاثة
شخوص في واحد، فكيف
استطعت التوفيق بين هذه
الأقطاب المختلفة؟
ج:
لم أحاول التوفيق، ولن
أحاول...كلّ ما في الأمر
أن أحاول أن أعيش مساويًا
لنفسي...وأصدقك القول
إنّها مهمّة غير سهلة في
هذا العصر...ولكن ما العمل
وأنا أكثر من واحد...ورغبتي
في التعبير على أكثر من
طريقة...رومان غاري وجد
الحلّ في إضافة تجربة
ثانية، تجربة "إيميل
آجار". الشاعر فرناندو
بسوّا وجد الحلّ في
الكتابة بأقنعة مختلفة،
وأسماء متعدّدة ومتوازية
يعبّر كلٌّ منها عن وجه
من وجوهه...أمّا أنا فقد
اخترت أن أتبنّى وجوهي
كلّها، دون إقصاء، وتحت
لافتة الاسم نفسه...أليس
الصوت البشريّ في
النهاية، حصيلة تفاعل
"حبال صوتيّة"
متعدّدة؟ إذن فلتعتبري
ما سمّيته "أقطابًا"
حبالي الصوتيّة وهي
تحاول أن تقول شيئًا...
س:
لا تحفل كثيرًا بالأضواء
ولا بالحوارات الصحفيّة،
فماذا تقول للبعض حين
يطالبونك بالنزول من
برجك العاجيّ؟
ج:
شيء جميل أن يقال مثل هذا
الكلام لمن كان في حضوري
من خلال الأغاني أوالكتب
أو التلفزيون. وهذا يعني
أنّي أفلحت بشكل ما في
الابتعاد بصورتي عن
الاستهلاك...على أيّ حال
أنا لست مقيمًا في برج
عاجيّ. وإذا كان لا بدّ من
حشري في برج فليكن برجًا
زجاجيًّا كي أطلّ على
العالم. لقد كتبت أكثر
نصوصي في المقاهي. هناك
في الزحام والضوضاء وبين
لاعبي الورق والعملة
والبطّالين وعلى مرأى
ومسمع من الحياة
المدمدمة في الشوارع
والأزقّة، أجد التركيز
والقدرة على الانفراد
والعزلة، ولكن داخل
الجماعة، ووسط الناس. من
هناك أنصت إلى نفسي وهي
تلتفّ على العالم، وأنصت
إلى العالم وهو يصبح جزءً
منّي...لست مع الغياب
ومخاطبة العالم من خلف
حجاب...بل أنا مع الحضور
في الساحة، الساحة
كترجمة للآغورا
اليونانيّة، لكنّي أفضّل
أن يكون هذا الحضور من
خلال النصّ...النصّ أيًّا
كان شكله، أغنية أو قصيدة
أو كتابًا، أو حتّى
برنامجًا تلفزيونيًّا...النصّ
هو عملي الأساسي...والمفروض
أن يُسأل نصّي عن نفسه أو
عنّي لا أن أُسأل عنه...لذلك
أفسحت المجال في السنوات
الأخيرة لنصوصي كي تظهر
بدلاً عنّي، وقد كانت
الغلبة في ذلك للأغنية
إلى عهد قريب، ولكنّ
الكتب استعادت الصدارة
منذ السنة الماضية،
وحتّى العمل التلفزيوني،
حاولت أن تكون مقاربتي له
طريقة من طرق مواصلة
كتابة النصّ أو الدفاع
عنه...ثمّ أنّي خجول الطبع
على الرغم من أنّ هذا
الأمر قد يبدو غريبًا لمن
لا يعرفني جيّدًا...خجول
خاصّة أمام الأسئلة
الاستهلاكيّة المطبوخة
على عجل، والتي لا
تستفزّك للإجابة، وقد
كثرت هذه الأيّام...إضافة
إلى إحساسي مع مرور
الوقت، بأنّ ما لديّ قوله
ليس كثيرًا، وهو يكفي
بالكاد لملء بعض النصوص،
فماذا سأقول في الحوارات
الصحفيّة؟ لذلك أنا
فعلاً زاهد في هذا النوع
من الأضواء...ولا أدلي
بحوار صحفيّ إلاّ بعد
إلحاح وتأدية لشيء من "الواجب
العاطفيّ" حسب تعبير
صديقي سليم دولة...
س:
بين اليوم والآخر تتصاعد
اتّهامات البعض بأنّ
الساحة الثقافيّة تعجّ
بمن يحاولون الثقافة، هل
الثقافة لوائح وشعارات
وكرّاس شروط؟
ج:
الثقافة حريّة. ولكن لا
معنى للحريّة إن لم تكن
قائمةً على قِيَم. المؤسف
اليوم أنّ القِيَم أصبحت
نادرة ، وطريدة، وعوض أن
تكون "معمولاً بها"
أصبحت "مفعولاً بها"...الرغبة
في الربح السريع
والوهميّ في أغلب
الأحيان، وتعميم النزعة
الاستهلاكيّة وعولمتها،
حوّلت الجهل ذاته إلى "قيمة"...
ولعلّه في بعض المجالات
هو الأعلى صوتًا والأقذع
سبًّا وشتمًا، بعيدًا عن
أخلاقيّات المهنة، أو متطلّبات المعرفة، أو نسبيّة
الأحكام، أو غيرها من
الشروط الضروريّة
لاستحقاق التدخّل في
الشأن العامّ...أُنظري
إلى بعض ما يُكتَبُ
مثلاً، وسترين أنّ
أكثرنا جهلاً هو
أكثرنا جرأة على الكتّاب
والشعراء والفنّانين
والجامعيّين وغيرهم...إلى
درجة أنّك قد تشكّين في
جدارة هذا أو ذاك بحريّة
التعبير، أو حتّى
بإمكانيّة التعبير
أصلاً، فضلاً عن شكّك في
جدارته باسم مثقّف...
س:
مشاريعك في الترجمة تسير
نحو الانتشار والاتّساع،
والوقت يكشف لنا في كلّ
مرّة عن وجه آخر لأدم
فتحي؟
ج:
الترجمة بالنسبة إليّ
طريقة من طرق القراءة.
ثمّة أعمال أستمتع
بقراءتها فأحاول قراءتها
بصوت مكتوب، كي يشاركني
غيري تلك المتعة....
س:
هل تنوي الاشتغال على
أغنية الطفل بعد نجاحك في
هذه التجربة، أم هي مجرّد
مرحلة فنيّة عابرة؟
ج:
أنا لم أكتب للأطفال بل
كتبت لابنتي "ميّ".
|