حوار مع جريدة البطل  

 -عرفنا طيلة الثمانينات، آدم فتحي الشاعر الدائم الحركة، على طول البلاد وعرضها، لإلقاء الشعر في الفضاءات الجامعيّة والنقابيّة وفي الساحات العامّة في الكثير من المهرجانات، وأمام جماهير تعدّ بالآلاف في الكثير من الأحيان. لماذا لم نعد نراك كثيرًا تلقي الشعر؟

ج: الأسباب كثيرة. منها ما يتعلّق بانشغالي بأمور  كثيرة كنت بعيدًا عنها في الثمانينات. ومنها ما يتعلّق بضمور الرغبة الذاتيّة في عرض نصوصي الشعريّة على الجمهور بتلك الطريقة. ومنها ما يتعلّق بتغيّر نوعيّة الإقبال على مثل هذه الأمسيات في السنوات الأخيرة. ومنها خاصّة ما يتعلّق بتطوّر مغامرتي الشعريّة. لم يتغيّر فيّ شيء على صعيد الإيمان بأنّ الشعر هو أساسًا فعلُ مُقَاوَمَةٍ وموقِفُ انحياز. مقاومة كلّ ما يمكن أن يدمّر الجمال والحريّة والحبّ والقدرة على اللعب والدهشة والفرح والهشاشة. وانحياز إلى كلّ ما يجعل فعل المقاومة هذا، يستقبل هزائمه وانكساراته بروح انتصاريّة. هكذا يكون الشعر في المحصّلة محاولة للدفاع عن إنسانيّة الإنسان...إلاّ أنّي تغيّرت كثيرًا من حيث رؤيتي لعلاقة الشعر بالإلقاء الركحيّ، والأمسيات الشعريّة...لم أتخلّ تمامًا عن الإلقاء، لكنّي قلّلت منه كثيرًا.

 -لماذا هذا الموقف من إلقاء الشعر؟

ج:  لقد خضت تجربة "المنبر" أو "القاعة" بمختلف أشكالها طيلة الثمانينات. ألقيت الشعر بمفردي، وألقيته صحبة المجموعات الموسيقيّة الملتزمة، وألقيته بمناسبة الكثير من المهرجانات في تونس وفي البلاد العربيّة وفي أوروبّا. بل إنّي ذهبت إلى مَسْرَحَتِه وتقديمه في عرض فرجويّ يمكن تسميته بالـ"وان مان شو" الشعريّ، مع ما يتطلّبه من ديكور وأكسسوارات وإضاءة وإخراج ركحيّ. وقد تمّ ذلك على مسرح صالة الحمراء بتونس وغيرها من الفضاءات، وفي إخراج لكريم العوّادي بإشراف من الأستاذ عز الدين قنّون. وقد خاض التجربة شعراء آخرون...كانت تلك الأمسيات محل حفاوة كبيرة. وكان الجمهور الحاضر يعبّر عن إعجابه بالتصفيق. وعمومًا، كنت أعتقد أنّي أكتب دائمًا من منطلق الاحتكام إلى شروط الكتابة والجمال، وأنّي إذا ذهبت إلى بعض "المنبريّة" أو "الركحيّة" في بعض الأحيان، فما ذلك إلاّ عن وعي، وقصد "تسديد ضربة محدّدة"، على رأي بابلو نيرودا...إلاّ أنّي شعرت شيئًا فشيئًا بأنّي أنزلق إلى "الفرجة" والاستعراض. ممّا جعلني أزهد في الأمر.

 -وهل "الفرجة" أو "العرض" عيب؟ ألسنا في زمن الفرجة؟

ج:  لنفترض أنّنا فعلاً في زمن الفرجة، وهو موضوع آخر  يحسن بنا أن نناقشه مع بيار بورديو أو غي ديبو، مثلاً، فهل ينتج عن ذلك بالضرورة أن يصبح الشعر "فرجويًّا"؟ لا أعتقد ذلك. ليس على الشعر أن ينسجم مع زمنه. وإذا كان للشعر دورٌ ما، فهو أن يقاوم، وأن يكون بمثابة "الثقل المضادّ" أو الموازن، لكلّ الصرعات والموضات، في كلّ المجالات. يمكن للشعر أن يكون فرجويًّا بمعنى الاستعراض، في ما يتجلّى منه من خلال الأوبرا مثلاً، أو الأغنية. لكن ليس في القصيدة أو النصّ. لقد اقتنعت باكرًا، ومازالت تلك قناعتي إلى اليوم، بضرورة الاشتغال على كتابة نصّ أوركستراليّ، يتجاور فيه اللعب مع الجدّ، وتتكوّن مفرداته من تعدّد الأصوات والفجوات، وتتحاور فيه الأشكال والأبعاد والإيقاعات، بما في ذلك إيقاعات التفعيلة والنثر والبحور الخليليّة، وتكون "فرجته" استبطانيّة لا استعراضيّة. ولكنّي كنت في الثمانينات محتارًا بين شغَفِي بالهمس، والوقوع في أسر "الصراخ". صحيح أنّ قصائدي ذات "الصوت العالي"، لم تمنعني من نشر "سبعة أقمار لحارسة القلعة"، سنة 1982، وهو "كتاب شعريّ"، وحلقة من سلسلة، وليس مجموعة قصائد، ويتطلّب قراءة متأنّية بعيدة عن أجواء الأمسيات الساخنة، وتجلّى من خلاله شيء من المشروع الذي كنت بصدد الحديث عنه، لكنّي ظللت طيلة سنوات فريسة تمزّق حقيقيّ. وشيئًا فشيئًا أحسست بأنّي على وشك الوقوع في حبائل "الصراخ". أحسست بأنّ التصفيق قد يغوي النصّ ويجرّه إليه، وأنّي صرت أستمتع أكثر ممّا ينبغي بردّ فعل الجمهور، وأنّي بدأت أقع في شرك "الفرجة"، فأكتب النصّ بشكل يستدعي ذاك "الإعجاب". وتدعّم هذا الإحساس بمرور الوقت، ونضج التجربة، ورحلاتي إلى مختلف العواصم العربيّة للمشاركة في المهرجانات. أحسست أنّ "القاعة" لها سلطان، يفرض نفسه على الجميع، لا يستثني أحدًا، ولا أولـئك الذين يجاهرون بعدائهم للمنبريّة. "القاعة" تفرض عليك اختيار قصائد معيّنة. تفرض عليك الدخول في "سباقٍ ما"، إذ لابدّ من "كسب الجولة" بشكل أو بآخر. يتحوّل "التصفيق"، مهما كانت درجة إنكارنا لذلك، إلى مقياسٍ أساسيّ من مقاييس"نجاح القصيدة". وشيئًا فشيئًا، يتسلّل كلّ هذا إلى باطن الذات الكاتبة، ويجعلها تكتب على أساسه. وعبثًا يقنع كلّ منّا نفسه بأنّه "يشتغل" على إلقاء النصّ "بعد كتابته"، وأنّه ينتزع الإعجاب بالجمال لا بالخطابة. فالحقيقة أنّ "ماكنة" المنبر تنتصب على طاولة الكتابة، وأنّ تقنيات الإلقاء تتدخّل في النصّ وهو يُكتب. وهذا كلّه على حساب الشعر. وقد تحوّل بعض الشعراء الذين لم ينتبهوا إلى هذا الأمر، إلى "منشّطي حفلات"، بل إلى "مهرّجين" أحيانًا. لهذه الأسباب وغيرها ممّا يطول شرحه في هذا المقام، أبتعدتُ أكثر فأكثر عن الأمسيات...لقد ازددت يقينًا مع مرور السنوات، من أنّ الهمس يمكّن صوت الشعر من الذهاب أبعد وأعمق...

 -لكن ألا ترى أنّ "الأغنية" هي التي سرقتك من الشعر، بحكم الشهرة التونسيّة والعربيّة، التي حصلت لتجربتك مع الفنّان لطفي بوشناق؟

ج: لم تسرقني الأغنية من الشعر، فأنا أكتب أكثر ممّا أنشر بكثير، وأكثر ممّا يغنّى بكثير. إلاّ أنّ ما أكتبه للأغنية يصل بسرعة أكبر، وينتشر أكثر. ربّما تلك هي طبيعة المرحلة الإعلاميّة. أنا أكتب الأغنية لأنّها مجال آخر من مجالات اللعب والجدّ التي أجد فيها متعتي. بل إنّي أجد فيها متعة خاصّة، هي متعة "المشاركة". الأغنية لا تكتب على انفراد مثل النصّ. الأغنية عمل يكتب فيه الشاعر بأوتار الصوت والآلة. الأغنية تتطلّب "عزلةً جماعيّة" إذا صحّ هذا التعبير. لحمةً بين شخصين أو أكثر. تيّارًا يمرّ من الشاعر إلى الملحّن إلى المطرب. الأغنية نافذة تتيح لي الخروج من عزلة الكتابة، مع البقاء في الكتابة، وتلك متعة تفوق الوصف. بل إنها متعة تفوق حتّى ما يمكن أن تثيره في نفسي إشارات النقّاد إلى أنّي أحاول في تجربتي "الغنائيّة"، وعلى قدر طاقتي وإمكانيّاتي، أن أعيد وصْلَ ما تمّ تحطيمه من جسور بين الشعر والأغنية العربيّة، وأن أجعل النصّ المكتوب خصّيصًا للأغنية، سواء أكان بالعاميّة أو بالفصحى، نصًّا معايشًا لإنجازات الشعر العربيّ الحديث، من حيث رؤيته الجديدة للتعامل مع اللغة، والثيمات، وتجاوزه لمرحلة "الأغراض" التي لم تخرج الأغنية العربيّة في معظمها من أسرها حتّى الآن. وعمومًا، فإنّ هذا السؤال كثيرًا ما يرد عليّ في الأحاديث الصحفيّة التي تجرى معي. وهو في الغالب، سؤال يتضمّن نظرة دونيّة، ربّما مستقرّة في اللاوعي، ينظر بها أغلبنا إلى الأغنية، على أساس أنّها شيء دون الشعر. والحال أنّ الأغنية كما قلت وأقول دائمًا، هي اسمٌ من الأسماء الأولى، والحُسنى، للإبداع البشريّ. وإلاّ ما كانت الأسطورة القديمة تجعلها سببًا في استواء الخلق. أقصد تلك الأسطورة التي تحدّثنا عن تمثال آدم، الذي دخلته الروح فأحسّت بالاختناق، وأرادت الخروج، فأمر الله آدم بالغناء، وما أن سمعت الروح الأغنية، حتّى طاب لها المقام. هكذا هي الأغنية في الأصل. جسر بين الروح والجسد، بين العقل والعاطفة، بين الصمت والكلام. أمّا أن تطغى اليوم الرؤية "التجاريّة"، وأن نصبح أمام "سوق" للسلع الغنائيّة، في معظم البلاد العربيّة، فهذا موضوع آخر.

-ما دمنا تطرّقنا إلى موضوع الأغنية، وذكرنا تعاملك مع الفنّان لطفي بوشناق، ما السرّ في استمراريّة هذا "الثنائيّ"؟

ج: توقّعتُ هذا السؤال الذي أصبح تقليديًّا في حواراتي الصحفيّة. والغريب أنّه لا يُطرح عليّ أو على لطفي إلاّ في تونس. في سائر البلاد العربيّة يعتبرون الأمر طبيعيًّا، لأنّ  لهم ذاكرة وتقاليد في مجال الأغنية. ويعلمون جيّدًا أنّه لم يتمّ إنجاز شيء ذي بال في هذا المجال، إلاّ بفضل عمل "ثنائيّ" أو "ثلاثيّ" استمرّ ما يكفي من الوقت ليعطي ثماره. إنّهم يعرفون جيّدًا أنّ أحمد رامي وأمّ كلثوم كوّنا ثنائيًّا، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم، والرحابنة وفيروز، والقائمة طويلة بالنسبة إلى سائر بلدان العالم. والثنائيّات لا تعني الاحتكار، فالرحابنة لحّنوا لغير فيروز، وفيروز غنّت لغير الرحابنة. لكنّنا نقصد أن يكون للتجربة محور بارز يمنحها ملامحها الأساسيّة. قطبٌ تدور حوله. وقد حدث الشيء نفسه في الأغنية التونسيّة أيّام جماعة تحت السور. الأغنية عمل يتطلّب كما قلت لك في إجابتي السابقة، انسجامًا بين شخصين أو أكثر. وهذا الانسجام لا يحصل إلاّ بعد وقت طويل من الممارسة الذاتيّة والموضوعيّة. ولهذا الانسجام عمر، قد يموت على إثره، مثلما يموت أيّ كائن حيّ. فتلك هي سنّة الحياة. لكن يبدو أنّ المجال لم يعد متّسعًا اليوم لمثل هذه الرؤية، بحكم تحوّل الساحة الغنائيّة إلى سوق، وبحكم ما يتطلّبه السوق من رغبة في الربح على حساب الآخرين،  والحرص على السرعة في إنتاج "البضاعة" وترويجها واستهلاكها، والرغبة في تحقيق "الوجاهة" و"المكاسب" بأقلّ ما يمكن من الجهد والتعب، إلى درجةٍ أصبح معها الطبيعيّ مستغربًا وموضع ريبة. في مثل هذه السوق، لا مجال للتعاون أو التكاتف ولا حتّى للتنافس الشريف. لا مجال إلاّ للمصلحة الفرديّة وإثبات الذات بواسطة إلغاء الآخرين. فكيف يمكن تصوّر "شخصين" يسعيان معًا لخوض تجربة مشتركة طويلة النفس؟ وهكذا يكاد بعضهم لا يتحمّل أن يرى إثنين يعملان معًا. فإذا هو يتمنّى أن يراهما ينفصلان، هذا إذا لم يعمل جاهدًا على تفكيك علاقتهما وتدميرها بالدسّ والغمز والنميمة، من نوع: "فلان يستفيد منك أكثر ممّا تستفيد منه"، أو "أنت الأفضل فلا تدعه يتسلّق على كتفيك"، أو "فلان يفكّر في الغدر بك فاحذر منه" إلخ...فإذا كان أحد الطرفين هشًّا، سارع إلى "تشغيل مخّه"، واعتبر الآخر "منافسًا" لا بدّ من التخلّص منه للانفراد بالـ"غنيمة"، وهكذا يتسلّل الدمار إلى العلاقة ويفشل المشروع. وقد استمرّت علاقتي بلطفي لأنّ لكلّ منّا ثقة في الآخر وفي نفسه، وثقة في العمل الذي نريد إنجازه، وثقة في قدرتنا على التكامل، وغيابًا تامًّا لأيّ نظرة احتكاريّة في التعامل. فلطفي غنّى وسيغنّي لشعراء آخرين، وقد صرّح هو نفسه أكثر من مرّة بأنّي أمدّه باستمرار بقصائد للعديد من شعراء تونس، وأحثّه على قراءتها لعلّه يلحّن بعضها، وقد فعل، وظهر بعضها للناس وسيظهر البعض الآخر في المستقبل. كما أنّي تعاملت وسأتعامل مع فنّانين آخرين، وكثيرًا ما حثّني لطفي نفسه على الإنصات إلى تجربة هذا الملحّن أو ذاك، ممّن يتوقّع أنّهم قد يحرّكون أحاسيسي...ولكنّ هذا كلّه لا يمنع أنّنا على وعي تامّ بضرورة إتمام ما بدأناه، وإعطائه النصيب الأكبر من الاهتمام.

-نعرف أنّك على أبواب إنتاج برنامج تليفزيونيّ جديد، منفردًا هذه المرّة، وهذا يدفعنا إلى أن نبقى مع تجاربك "الثنائيّة"، لنسألك عن وليد التليلي، خاصّة وقد شكّلتما ثنائيًّا تليفزيونيًّا  ناجحًا على امتداد ما يقارب الخمس سنوات؟

ج: تجربتي التي تتحدّث عنها علّمتني الكثير ممّا ينبغي أن أحرص عليه، وخاصّة، ممّا عليّ أن أتجنّبه، في مجال العمل التلفزيونيّ. ولهذا الموضوع عودة في أوان آخر...

-أنت تكتب الشعر، والأغنية، وتعدّ برامج للتليفزيون، وتهتمّ بالترجمة أيضً، إذ صدرت لك هذه السنة ثلاثة كتب دفعة واحدة، وعلمنا أخيرًا أنّك كتبت حوار أحد مسلسلات رمضان، لماذا كلّ هذا التنوّع؟ ألا تتشتّت جهودك؟

ج: لا أدري بماذا أجيب على سؤال كهذا. أذكر أنّ كوكتو قال ذات مرّة ما معناه: "أبحث لرأسي عن الموقع الأكثر طراوة، فوق الوسادة". أذكر أيضًا أنّي كدت أتّجه إلى الرسم قبل الكتابة. ولعلّي أفعل ذلك فيما بعد. ولعلّي أضيف أشياء أخرى إلى كلّ ما تسألني عنه. أغلب الظنّ أنّ الإنسان كائن متعدّد، يخاف الاعتراف بتعدّده. مجموعة من "الأنوات" يرعبها أن تطلّ على هاوية تناقضاتها ومكوّناتها المختلفة. الإنسان أوركسترا وليس عازفًا منفردًا. وهذا أمر تعلّمت أن أتمثّله باكرًا جدًّا، وأن أواجه خوفي منه، وأن أعتبره قدرًا ضروريًّا للاقتراب من الحريّة. ولعلّي في كلّ ما أقوم به أو أحاوله، إنّما أحاول أن أفسح المجال لهذه الأوركسترا كي تعبّر عن نفسها.