العتمة
والوردة
ماذا
أستطيع أن أقول لقرّائي
وأنا أعود إلى مصافحتهم
بعد انقطاع؟
الغريب
أنّ آلاف القرّاء قد
يمطرون الجريدة
باحتجاجاتهم إذا كتب
الواحد منّا شيئًا ماَ،
يزعج أو يؤرّق أو لا
يعجب. خاصّة القرّاء "الأوفياء"
الذين لا يفوّتون ممّا
نكتب شاردة ولا واردة،
بسبب من إهتمام حقيقيّ
وخالصٍ، أو بسببٍ من
حاجة أقرب إلى تلك التي
في نفس يعقوب، وهذه من
خصائص بعض "القرّاء-
الكتّاب" تحديدًا، أي
بعض أولئك المنتمين إلى
تلك الفئة الغامضة التي
قد نحشرها دون كبير عناء
ولا تدقيق، تحت لافتة
"الزملاء" أو "رفاق
القلم"، دون أن تملك
من الرفقة الحقّ ولا من
الزمالة الحقّ مثقال
ذرّة. ولكن لا أحد من هذه
الآلاف يحتجّ إذا انقطع
الواحد منّا عن الكتابة...لاأحد
يكتب مطالبًا الجريدة
بعودة قلمٍ ما إلى
زاويته اليوميّة أو
الأسبوعيّة المعتادة،
لأنّ الروح ذبُلت ولأنّ
الشمس حالَ لونُها
ولأنّ الرغيف اليوميّ
أصبح بلا طعم منذ غاب
عنه "مقال" فلان أو
علاّن...
تشعر
بأنّك نُنسَى بسرعة
البرق، لا أحد يفتقدك لا
في الليلة الظلماء ولا
في وضح النهار، وخاصّة
ذلك البعض من الزملاء،
وأصرّ على كلمة البعض
هنا، مرّة أخرى، في
إشارة إلى ذلك النوع من
الطفيليّات التي لا
يخلو منها مجال، والتي
تظلّ مدى العمر صفر اليد
والروح والعقل من أيّ
فكر أو موهبة، والتي لا
تعيش إلاّ في غياب "الآخر"
الكفء، وإذا لم يغب فهي
تتمنّى غيابه أو تعمل
على تغييبه بشتّى أنواع
الحيل والأسلحة...ولعلّ
هؤلاء "البعض" لا
يفرحون لشيء أكثر ممّا
يفرحون لغيابك الذي "سيتركها"
لهم واسعة وعريضة كي
يقيموا فيها الأذان. وكم
تنشط أقلامهم وكم يتّسع
وقتهم وكم تتحرّك هممهم
ويستيقظ وعيهم الكهفيّ
كلّما تعلّق الأمر
بالشتيمة والفتك. وكم
تصبح أقلامهم شحيحة
بالحبر وكم تصبح ثقيلة
الخطى و"الخطوط"
وكم يضيق وقتهم وتكثر
مشاغلهم كلّما تعلّق
الأمر بقول كلمة خير في
زميل أو التنويه بآخر أو
الدعوة إلى تكريم ثالثٍ
أو المناداة بعودة رابع
أو الإشادة بعمل لهذا أو
ذاك...
لكأنّ
أغلب أقلامنا العربيّة
اليوم لا تحرّكه إلاّ
شهوة الدم والرغبة في
الفتك والتدمير. ولكأنّ
أغلب هذه الأقلام لا
ينشط إلاّ في سياق
الكراهية والهجاء
وتلمّس المعايب والتقاط
المثالب، أمّا إذا
تعلّق الأمر بالتعبير
عن الحبّ أو بمساندة
قضيّة أو شخص أو جماعة،
فليس أكثر من هذه
الأقلام خمولاً وشحًّا
و"تعفُّفًا" عن
الخوض في ما يعتبرونه
وقتها من "صغائر
الأمور".
ممّا
يجعلنا ننقطع عن
الكتابة لأوّل فرصة
سانحة، وإذا انقطعنا
فإنّنا نزهد في العودة.
ولِمَ العودة بالكتابة
يسأل الواحد منّا نفسه؟
وهل تجدي العودة؟ وإلى
من العودة؟ إلاّ أنّنا
نعود- على الرغم من ذلك-
إلى قرّائنا، تمامًا
مثلما كان التلاميذ
يعودون إلى بيوتهم في
تلك النصوص القديمة،
"فرحين مسرورين"،
دون أن يعلم أحدٌ لماذا
تحديدًا، وهل نحن أمام
فرح وسرور حقيقيّين أم
إنشائيّين"؟
والحقّ
أنّنا نعود من أجل
الوردة وضدّ العتمة.
ثمّة
عتمات لا ينفع معها ضوء
الشموع ولا نور
الكهرباء. عتمات لا يمكن
أن نخترقها إلاّ
مستعينين بأضواء
الكتابة وحدها، ولكنّها
الكتابة اللاهبة
الكاشفة الانتحاريّة،
التي تشبه حريقًا
يتغذّى من ناره، لا يقدر
على إضرامه إلاّ القلّة
من الكتّاب...من بينهم
بودلير مثلاً.
»ستُؤَمْرِكُنا
الميكانيكا«
قال بودلير في
يوميّاته، قبل أكثر من
قرن وقبل أن يرى شيئًا
ممّا رأيناه، فإذا هو
أبعد نظرًا وأصدق نبوءة
من جميع المنجّمين،
ولولا الكتابة ما رأى
شيئًا من ذلك كلّه.
فماذا تراه يقول لو شاهد
اليوم ما يحدث في فلسطين
والعراق وغيرها من
البلاد؟
ومن
بينهم نيتشة أيضًا، فها
هو منذ أكثر من مائة
عام، يتحدّث عن
مواطنيه، هو الآخر،
وكأنّه »يتذكّر
مستقبلهم«
تذكُّر الشاهد العيان.
يقول في كتابه »ما
وراء الخير والشرّ«
متحدّثًا عن »مستقبل«
أوروبّا:
»سيكون
الطابع الغالب على
هؤلاء الأوروبيّين
القادمين، طابع الشغيل
الصالح لشتّى الوظائف،
والثرثار الضعيف
الإرادة والسهل
التسيير، طابعَ من
حاجَتُهُ إلى السيّد
والآمر حاجتُه إلى
القوت اليوميّ، في حين
ستفضي الحركة
الديمقراطيّة
الأوروبيّة إلى إنجاب
طرازٍ بشريّ معدٍّ
للعبوديّة بألطف معاني
اللفظ...«.
فماذا تراه يقول لو شاهد
أوروبّا اليوم وهي تحني
الظهر كلّما سمعت فرقة
"السوط" العالميّ
الجديد؟
لعلّنا
لم نر عتمة أشدّ من هذه
التي تحيط بالوردة من
كلّ جانب، في بداية هذا
القرن الواحد والعشرين،
ونحن بين ألفيّة أسكِنت
القبر وأخرى تنتفض
كالطائر الخارج من
بيضته، مدجّجة بكلّ ما
ورثته عن سابِقَتِهَا
من وسائل تدمير الروح
والعقل والجسد والقِيم...ولعلّنا
لم
نحتَجْ إلى
الكتابة قدر حاجتنا
إليها اليوم.
وحدها
الكتابة تسمح بأن يقول
"أرْمِيَا"
باكيًا أمام خراب
أورشليم: آهِ لو أستطيع
أن أصنع من دموعي
أسنانًا للوردة...فيجيبه
"أوكتافيو باث" بعد
قرون، ومن على طرف الأرض
الآخر: حين تكون الوردة
بلا أسنان، فإنّ الجميع
يأكلها، حتّى الفراشة...
3-10-2002
|