الزمن ساعَةُ يد

 ليس هذا حنينًا إلى أندلس لن تعود.

وليس أبشع من جَلْدِ الذات والنواح على الذات سوى التفاؤل  المفرط والفرح المفتوح على السذاجة أو الافتعال.

ولكنْ ليس أبشع من هذا وذاك سوى التذاكي الأجوف والتبرّع بنصائح لا تفضي إلى غير تجزية الفراغ.

والعجب أنّ "واقعيّينا" وهم يتّخذون أوضاعهم الاستعراضيّة في الصور والفضاءات العربيّة والأجنبيّة، ناصحين، مشهرين في وجهنا سيوف واقعيّتهم، داعين ظهورنا إلى المزيد من الانحناء، داعين مثقّفينا إلى الكفّ عن الحيرة، داعين فنّانينا إلى الاكتفاء بالغناء أو الرقص كي لا “يُلوِّثوا” فنّهم بهموم المُواطَنَة التي هي هموم الحياة، داعين الجميع إلى التسليم بالهزيمة واعتبارها خطوة أولى في طريق الحداثة، ينسون أنّهم في كلّ ذلك، واعين أو غير واعين، إنّما يعيدون إنتاج بضاعة مغشوشة  ملقاةٍ من فوق كما يُلْقَى بالدُمَى الملغّمة والحلويّات المسمومة، كي يتحوّل الأمر الطارئ إلى أمر واقع: أن يحتكر شعب الحقّ في التدبير والتقرير، والتدخّل فيما يعني ولا يعني، بينما يُطلب من شعوب أخرى أن تكون جميلة وتصمت، أي أن تكون راضية مطيعة وتذهب إلى الجحيم... 

من حقّنا أن نفكّر في تعديل ساعتنا على الوقت المناسب لنا. وأن ننظر إلى تاريخنا من زاوية نظرنا الخاصّة. ويعرف أهل السينما، ونحن في عصر السينما بمختلف معاني الكلمة، أنّ تغيير زاوية النظر ليس مسألة شكليّة، فهو قد يعيد خلق المشهد كلّه.

من حقّنا بل من واجبنا أن نعدّل الساعة على توقيت تكفّ معه الأرض عن أن تكون سندانًا، وتكفّ معه السماء عن أن تكون مطرقة.  ومن ثَمّ لنا أن نسأل:

ألم يبدأ الحادي عشر من سبتمبر يوم دُمّرت هيروشيما، أو يوم  قُصِف العراق، أم أنّ بعض الدم دمٌ وبعضه ماء؟

ألم يبدأ الحادي عشر من سبتمبر يوم اغتُصِبت فلسطين؟ أي يوم بدأت سياسة الكيل بمكيالين رحلتها في اتّجاه صلب المسيح ثانية وثالثة إلى ما لانهاية ؟ حتّى صارت الأرض جسرًا بين ظفّتين: إذا قطعت الجسر ذهابًا مُسِخَ نضالك الرسوليّ  إلى إرهاب، وإذا قطعته إيابًا تحوّلت من مجرم حرب إلى نبيّ مرشّح لجائزة السلام.

لا، ليس هذا حنينًا إلى أندلس لن تعود. وليس دغدغة لذات قد يسوّل لها الوهم أن تغلق بابها على نفسها في وجه الريح كي تستريح. بل هو محاولة لاستدراج ساعة الزمن نحو يدٍ تليق بها. يد ستظلّ تصافح شيكسبير وإليوت  كما تصافح المتنبّي والشابّي، وتداعب فاغنر كما تهفو إلى زرياب. دون أن يمنعها ذلك من أن تعرف  أنّ لحظات الزمن الحاسمة والفاصلة حين تُصْنَعُ "بدوننا"، لا يمكن إلاّ أن تكون "ضدّنا". ولو أنصتنا جيّدًا إلى التاريخ لرأيناه يقول ذلك مرارًا وبأكثر من لغة، مضيفًا إنّ "الحبّ من طرف واحد"، خاصّة حين يتعلّق الأمر بـ "عواطف الحضارات"، هو دائمًا أقرب طريق إلى "الحرب من طرف واحد"، حتّى وإن كان أحد أسمائها الحسنى: الحرب الوقائيّة...

لم تكن ساعة الزمن هكذا في الأصل، ولا يمكن أن تظلّ هكذا.

فليُرحنا واقعيّونا من واقعيّتهم قليلاً. وليدعونا نحلم، ونعمل، ونؤمن بأنّ عملنا قد يصبح واقعًا إذا عرفنا كيف نحصّنه بالحلم، وأنّ دماء أطفالنا في العامريّة وفي صبرا وشاتيلا وجينين لم تُرَق هدرًا، وأنّ أحلامنا لم تكن قبض ريح، وأنّ لنا موعدًا آخر مع زمن آخر ممكن، وأنّ بإمكاننا أن نجعل يدنَا لائقة بساعة الزمن، لأنّ ساعة الزمن قد تنتقل من يد إلى أخرى، لكنّها أبدًا لن تكون ملْكًا ليَدٍ واحدة...

10-10-2002