سينما

 كنتُ في السادسة من عمري، أو ربّما في السابعة، حين عرفتُ السينما لأوّل مرّة. نسيتُ الكثير من التفاصيل الآن، إلاّ أنّي أذكر جيّدًا تلك اللهفة التي استبدّت بنا حين أعْلَمَنا مدير المدرسة بأنّ أمرًا جللاً سيحدث مساء الغد، وأنّ علينا أن نعود إلى المدرسة مصحوبين بأوليائنا كي يرافقونا إلى منازلنا بعد أن تنتهي الفرجة. وانفجرت الأسئلة في الساحة وفي الطرق المتعرّجة بين الحقول ونحن نركض حاملين لهفتنا إلى البيوت، محاولين أن نعرف ممّن مرّ بالتجربة قبلنا: ما هي السينما؟

 أذكر أنّي لم أنم ليلتها، ولم أرفض لأمّي طلبًا، ولم ألطّخ كرّاس أخي بالحبر، ولم أشدّ أختي من شعرها، ولم أسحب القطّة من ذيلها كي أسمع صرير مخالبها على الحصير. كنت حريصًا على أن لا يحدث منّي أيّ شيء يجعل أبي يحرمني من الذهاب إلى ذلك المجهول الجميل.

وحان الموعد. وأنعم علينا السيّد الوالد بقرار التسريح من الخدمة المنزليّة، ورأى أن يصحبنا خالي، أنا وأخويّ، إلى حيث شدّ الجميع الرحال. فخرجنا نسابق ظلالنا وهي تتلاشى شيئًا فشيئًا مع آخر أشعّة الشمس. ولم يكن خالي أقلّنا لهفة. عرفت ذلك من بريق عينيه وهو يربت على كتفي كلّما ألححت في سؤاله عن جليّة الأمر، دون أن يجيبني إلاّ بذلك الصمت الفصيح الحنون الذي كان يتقنه على صغر سنّه، وكأنّه يقول: انتظر قليلاً وستكتشف الأمر بنفسك.

بدا لي أنّنا وصلنا آخر الجميع وأنّ الساحة ضاقت بالخلق. صفوف متراصّة لأشباح تنظر في اتّجاه واحد. البعض جاء معه بحصير والبعض افترش ورقًا من ذاك الذي يُلفّ فيه اللحم أو السكّر، والأغلب افترش العشب مثلما فعلنا. كان واضحًا على عدد غير قليل منهم  أنّها ليست "المرّة الأولى"، وأنّ من الوجاهة في نظرهم إظهار ذلك بتقشير اللبّ وفتح لفافات الخبز والهريسة والمزاح بوقاحةِ من لا يتهيّب اللحظة. أمّا المساكين مثلي فقد جلسوا وجلين، ينظرون إلى الجدار الأبيض الصامت في انتظار أن يتكلّم، وقد حاصرتهم أصوات الصبيان والنسوة والرضّع مختلطة بروائح الصنوبر والخرّوب والبرتقال والعرق والأحذية وروث البهائم الجاثمة قرب المكان.

وفجأة حدث الأمر. انفلق الجدار عن خطوط وأشكال وحركات وصُوَر، وانفتحت الصُوَرُ على حكاية، وسحبتني الحكاية من نفسي بعينٍ أكبر من عينيّ، فرأيتُ كما لم أرَ من قبل. كنت أخرج من نفسي ولم أعرف وقتها وأنا في ذلك العمر أنّي كنت في الحقيقة أقترب من نفسي.

( لا أعرف لماذا تحضُرُني أمّي الآن. أتذكّر كيف تبلّلتْ نظرتُها يومَها ونحن نهمّ بمغادرة البيت، فأخفتها عنّا كي لا تنغّص علينا فرحنا المسروق. أحبّك يا أمّ. ظلّت تلك النظرة تنغّص عليّ أفلامي إلى اليوم).

ظللتُ أنظر إلى الصُوَر كالمذهول، ثمّ التفتّ إلى الخلف أبحث عن مصدر تلك "الأمطار الأفقيّة" التي بدّلت الجدار من حال إلى حال. رأيتُ شاحنة كبيرة ذات ثقب جانبيّ شبيه بالكوّة. ورأيتُ خيوطًا من الضوء تنبعث من الثقب ثمّ تصطدم بالحائط الأبيض فإذا هو حياة. نسيتُ اسم الفيلم الآن. لم أعد أتذكّر منه غير مشهد طفل يبكي ويتمخّط في شيءٍ ما، لعلّه ذيْلُ قميص، ولعلّ الفيلم لشارلي شابلين. لكنّي لم أنس حتّى اليوم أنّ حزمة الضوء كانت تمرّ فوق رأسي تمامًا، وأنّي رأيت جيشًا من البعوض يداعبها ويدور حولها ثمّ يشقّها، فخشيت أن يسقط من تلك الصور شيء، أو أن يجرحها فتسيل دماؤها على الجدار، ثمّ لم ألبث أن تلفتّتُ يمنة ويسرة حتّى تيقّنتُ من أنّ الجميع غافلٌ عنّي، فغمستُ أصبعي في حزمة الضوء تلك وأنا أغالب خوفي وخجلي، ثمّ أدنيتُ أصبعي من أنفي وفمي لعلّي أشمّ لتلك الصور رائحةً أو أجد مذاقًا.

سأعرف بعد ذلك أنّي كنت أعيش في الحقيقة فيلْمَيْن: الأوّل بطلُه طفلٌ يبكي على الجدار ويتمخّط، والثاني لا بطل له سواي، وأنا هناك على العشب أنظر إلى الجدار وحولي أقارب وأباعد ينظرون في الاتّجاه نفسه، وقد تساقطت على وجوههم ذرّات من نورٍ فتمطّت ملامحهم في الليل، وتعتعتهم موسيقى الفيلم، وران الصمت في ما عدَا ذلك لولا وشوشةٌ هنا أو صراخٌ هناك، وبين حين وآخر، يترامى إلى الأسماع نقيق ضفدعة عزباء أو خوار بقرة لئيمة أو صوتُ محرّكٍ من تلك التي لابدّ من صوتها في ليل القرى كي تعرف المياه طريقها إلى السواقي.

دار الزمن الآن وهاهي قرابة الأربعين سنة تفصل بيني وبين تلك اللحظة. هل عشتها حقًّا كما جاءت في هذه الأسطر أمّ أنّ حكايتي هذه جزء من سينمايَ الخاصّة؟ ولكن ما الفرق؟ أشعر بروحي تدفأ وأنا أحيا الحكاية وأشعر بالدفء نفسه وأنا أحكي الحياة. ملأتُ عينيّ مليًّا بالمشهد. وحين انتهى كلّ شيء وقالوا لنعد من حيث جئنا بدأ كلّ شيء عندي. تخلّفت عنهم وذهبت إلى الجدار أبحث عن دموع الطفل.

تلك اللحظة، تلك اللحظة تحديدًا، أحببتُ من أجلها السينما،  أحببتُ من أجلها الحياة.

17-10-2002