|
ثغاء
الخرفان
يتقدّم
الزمن في شكل شجرّة
تتفرّع وتنمو لها أغصان
في كلّ اتّجاه. خاصّةً
في اتّجاه الصمت. الصمت
الذي يمكّن الإنسان من
الإنصات إلى أسئلته
الحارقة وإلى العالم
وإلى الأصداء المتصاعدة
من آباره العميقة. ذلك
النوع من الصمت الفاعل
الفصيح، الذي يمكّنك
وحده من سماع حفيف
موسيقى فاغنر في
الهواء، فإذا أنت تنظر
إلى فوق وتفتح عينيك
وتسأل أين طائرات
الهليكوبتر؟ ومن أين
سيهطل الموت؟
وكأنّك تلك القرية
التي أمطرتها فوهات
القتلة في فيلم "القيامة
الآن"...
كم
أصبح العربيّ يخشى
الصمت هذه الأيّام. لذلك
هو يؤثّث صمته بكلّ
أنواع الضجيج، وأفدح
أنواع الضجيج الكلام.
اُدْخُلْ أيّ قهوة
عربيّة وسيقف بينك وبين
نفسك صوت الراديو أو
آلة التسجيل من
هنا وصوت التلفزيون من
هناك وبين هذا وذاك
أصوات الكراسي
والفناجين ولاعبي الورق
وقرقرة الشيشة وتدافع
الأرجل والمناكب
والمرافق وزعيق
السيّارات من الخارج
ونعيق الخسارات في
الداخل العميق.
لاأحد
يتصرّف بما يدلّ على
أنّه يريد أن يسمع أحدًا
أو ينصت إلى صوت معيّن.
ضجيج كتابيّ وضجيج
خطابيّ وضجيج غنائيّ
وضجيج فكريّ وضجيج
ترفيهيّ. ضجيج في شكل
حوارات ساخنة سخونة
عراك الديَكة وضجيج في
شكل دم بارد كالجثّة
التالفة وضجيج في شكل
فكر أكثر برودة من الثلج
نفسه وضجيج نثريّ وآخر
شعريّ وآخر عموديّ وآخر
أفقيّ وآخر انبطاحيّ
وآخر محدّب وآخر مقعّر
وآخر مثقوب مثل الفلس
القديم. ضجيج مقصود
لنفسه كي يوهم بالقول
دون أن يقول، ومقصود
لنفسه كي يحول بين
الواحد منّا وصمته.
يتقدّم
الزمن في شكل شجرة
تتفرّع وتنمو لها أغصان
في كلّ اتّجاه. هكذا
يحلو لي أن أتخيّل زمني،
أنا العربيّ الشاهد على
حصار الحلم وذبول الروح
وتصدّع الأرض في هذا
الزمان، والشاهد على
صمود الأمل أيضًا، وعلى
استمرار الفرح وانتصار
الحياة. أنا متفائل قال
ريتسوس، وتفاؤلي ثابتٌ
لا يتزعزع لأنّه راسخ في
اليأس....
يتقدّم
الزمن في شكل شجرة،
فهل أورقت أغصان هذه
الشجرة في الأيدي،
بداية من أيدي رموز
تنويرنا العربيّ الكائن
والمنشود مرورًا بأيدي
أبنائهم وصولاً إلى
أيدينا؟
تكلّموا كثيرًا
وآنسوا ليلنا وتناسلت
أسمالهم وأسماؤهم حتّى
لم نعد نتبيّن أين تقف
عباءة ابن حزم من برنس
ابن رشد وأين كتف
الطهطاوي من يد محمد
عبده وأين محبرة
الشاطبي من دواة ابن
خلدون وهل استطاعت عصا
طه حسين أن ترشده إلى
بيت عربيّ واحد لا تقوده
إليه سوزان بالضرورة.
تَكَلَّمْنَا
كثيرًا ونَسَبْنَا
الصمتَ إلى الخرفان.
فماذا
قلنا؟
أصبح
لدينا "لاباليس"
العربيّ. وقفنا أمام
المرايا نستنتج باسم
أحدنا (الجابري) أنّ
مأزق الذات العربيّة
الراهنة متاتٍّ من
كونها مغتربة عن
واقعها، أي أنّها "رهينة"
لدى ماضيها إذا احتكمت
إلى مرجعيّتها
التراثيّة، أو "رهينة"
لدى "الغير" إذا
احتكمت إلى المرجعيّة
الأوروبيّة المعاصرة
التي تنتمي إلى حاضر
أوروبّا ومستقبلها. هل
يعني ذلك أنّه يكفي إذن
أن تستقلّ هذه الذات
العربيّة عن محبسيها،
وأنّه يكفي أن تتحرّر من
هذين المرجعيّتين، كي
تنطلق وتحلّق وتلحق
بركب الحضارة فلا نوم
ولا سُباتَ ولا تخلّف
ولا هم يتخلّفون؟
ومن
أين سنأتي بهذه "الطريق
الثالثة"؟ من أين
سنأتي بهذه "المنزلة
بين المنزلتين"؟ أم
أنّ شجرتنا لا تكون
بالضرورة إلاّ
هوائيّة، لا هي في الأرض
ولا هي في السماء، لا هي
في ماضي الشرق ولا هي في
حاضر الغرب؟
كم
تكلّمنا وكم سنظلّ
نتكلّم.
لم
يخطر على بال الجابري
وأسلافه وأسلافنا، ولم
يخطر على بالنا
أنّ لدى الغرب في
حضارته الحاليّة الكثير
من "بضاعتنا" وأنّ
من حقّنا أن تُردّ
إلينا، لا في شكل سباق
يتداول فيه المتنافسون
على قصب السبق، وإنّما
في شكل حياة علينا نحن
أن نعمل على تغيير
شروطها في اتجاهنا،
بعيدا عن التلفيق
والتوفيق. ولماذا يظلّ
علينا نحن تحديدًا، أن
نلفّق ونوفّق؟
كم
تكلّمنا وكم سنظلّ
نتكلّم.
لم
يخطر على بال الجابري
وأسلافه وأسلافنا، ولم
يخطر على بالِنا أنّ
السباق – إن وُجِدَ –
ليس في ملعب أولمبيّ.
وأنّ المنافس ليس نزيها.
وأنّ الأمر لا يتوقّف
على الرغبة في النجاح
والاستعداد له. ما يحدث
هذه الأيّام في العالم
يعني شيئًا واحدًا
قديمًا قدم
الأمبراطوريّات التي
عرفها العالم على
امتداد
تاريخه،متجدّدًا
بتجدّد التقنيات
والأسلحة ووسائل تحويله
من مخطّط إلى أمر واقع:
أنّ اللاعب الذي فاز في
الشوط السابق لا يريد أن
يسمح لأحد بأن يفوز عليه
في الشوط اللاحق. كلّ
شيء في اللعبة موظّف
لتأكيد تفوّق المتفوّق
وجعله تفوّقًا واضحًا
وحاسمًا ونهائيًّا:
الملعب والحكَم وحتىّ
أخلاقيّات اللعبة. بل
وحتّى مبادئ الروح
الرياضيّة والميثاق
الأولمبي نفسه. لذلك كان
على العالم كلّ مرّة
وعلى امتداد تاريخه، أن
يغلق الملعب ولو لوقت،
وأن يرفض اللعب أصلاً...
ما
يحدث اليوم في العراق أو
فلسطين، ليس بين
إسرائيل والفلسطينيّ أو
بين أمريكا والعراقيّ
فحسب، بل هو بيننا
وبينهم وبين أمريكا
وأوروبا أيضًا. إنّه
لحظة من تلك اللحظات
الكونيّة القديمة
الجديدة التي يتحدّد
على ضوئها مستقبل "اللعبة"
ككلّ، ولوقت طويل...
على
أوروبّا أن تفهم ذلك،
وعلى الصين أيضًا
وغيرها فدور الجميع
قادم. وعلينا نحن أن
نعيد النظر في "الكلام".
علينا أن نعيد النظر في
الكلام تحديدًا، وقد
خيّل إلينا للحظة أننّا
نخرج به على صمت الخرفان.
فهل تتكلّم الخرفان إذا
ظلّت خرفانًا، إلاّ
ثغاءً في ثغاء.
24-10-2002
|