مُدُنُ الواقع \ مُدُنُ الخيال

 يحلو لنا إِذَنْ أن نعتبر الزمن ساعة يد، قَدَرُهَا أن تدور من معصم إلى معصم. ويحلو لنا أن نعتبر الزمن شجرةً أيضًا، أو أنّه يتقدّم مثل شجرة تنمو أغصانها في كلّ اتّجاه. وبين هذه الصورة وتلك من صور الزمن، يحلو لنا نحن العرب أن نحلم بلحظة أخرى قادمة تستقرّ عندها الساعة في معصمنا من جديد، أو تورق عندها ورقتنا الخاصّة على غصنٍ فارع من أغصان الشجرة. ومن حقّنا، وربّما من واجبنا، أن نحلم هذا الحلم. إلاّ أننّا نحلم صائتين. والحلم صامت أو هو كابوس. لقد نسينا في غمرة الكلام والخطابة أنّ الساعة ظلّت منذ خطواتها الأولى تتقدّم في اتّجاه الصمت. وأنّ شجرة الزمن لم تمتدّ أغصانها في كلّ اتّجاه إلاّ لتشير إلى اتّجاهها \ معناها الحقيقيّ: أنّ الزمن في جوهره مديح للصمت. ليس الصمت المقصود هنا نقيض الكلام، بل هو نقيض الضجيج ونقيض الثرثرة ونقيض التمويه ونقيض التنفيس بالصراخ أو الهجاء. إنّه نقيض النباح بالمعنى الذي يشير إليه ذاك المثل الشعبيّ الرائع الذي يؤكّد على أنّ الكلب القادر على العضّ فعلاً لا ينبّهك بنباحه. الصمت الذي نعنيه هو ذاك الذي يقود المظاهرة في شوارع كلّ أرضٍ محتلّة وليس ذاك الذي يعلن عن ضرورة التظاهر وهو جالسٌ في مقهى أو وهو يخطب في منبر. الصمت الذي نعنيه هو ذاك المفضي إلى الحركة والفعل الفاعل البادئ والآخر النهائيّ وارث كلّ هذه الضوضاء. إنّه الصمت الفاصل بين صوتين في الموسيقى. ذلك الصمت الذي هو جزءٌ من الموسيقى بل هو مؤلّفها الحقيقيّ لأنّه هو الذي يمنحها تعبيرها وألوانها وروائحها. لذلك ليس أروع ممّا يُسمّى بالموسيقى الصامتة، سوى الأغنية التي يعرف ملحّنوها كيف يوظّفون الصمت فيها لخدمة الكلمة. وليس من الغريب أن نكون نحن العرب أقلّ الناس احتفاء بهذا النوع من الموسيقى وأكثر الناس حشوًا للأغاني بأصوات الآلات المتنافرة الزاعقة الناعقة، حتّى كاد التوزيع الموسيقيّ يتحوّل عندنا إلى مجرّد تكديس للأصوات في محاولة لقتل الصمت، أي لمنع الأغنية من التنفّس...

 عندما تتنفّس الأغنية، أي عندما يشهق الصوت فننصت إلى نداء الأعماق في ليل غربتنا المسافرة والمقيمة، نستطيع أن نسأل من نحن وأين نحن من كلّ هذا؟ أيّ خيمة ننصب أو نحلّ وأيّ مدينة نبني أو نهدّ وبأيّ نجمة نستدلّ أو ندخل التيه؟ فرادى وجماعات نمدّ يدًا تتلمّس العتمة وتحلم بساعة مستعصية وتسأل أين ورقتنا الخاصّة بنا في هذه الأغصان. ثمّ نصحو من كلامنا الذي لا يقول فنكتشف أنّ صمت الخرفان قد يكون أشرف لها من كلّ هذا الثغاء.

أمّا أنّ ساعة الزمن تتقدّم حقًّّا في اتّجاه الصمت فهو أمر يكفي للتدليل عليه أن نراجع تاريخ الساعات التي في معاصمنا منذ كان لكلّ معمار سرّةٌ يقع عليها ظلّ الشمس أو القمر في وقت معلومٍ. كان الزمنُ لغة التخاطب مع المعلوم والمجهول في المسارب والمجرّات. به بنيت حدائق بابل، ومنه تعلّم المايا والأزتيك أن يحفروا على الحجارة وجوه الآلهة كي لا تطأها حوافر الأيّام، تلك التي أصبحت أقفاص الزمن. ثمّ كان لابدّ من العصَا التي تُغْرَسُ في سُرَّةِ الأرض. وفي الحروب الطويلة جلب الصليبيّون من الشرق بناديل مائلة لساعاتهم الشمسيّة، بحثًا عن مزيد من الدقّة، فإذَا زمننا هو منذئذ زمنٌ مائل. ثمّ تزوّج الزمن الماء قبل أن يتزوّج النفط. صار المصريّون وهنود أمريكا يقيسونه بالماء المنسرب من ثقوب في الآنية، في الليل، حين تنام الشمس. وعوَّمَ اليونان على الإناء غشاءً خفَّافًا مثلما تُعوَّمُ الخسارات. وبعضهم ربط الإناء بعجلة ذات أسنان تعضّ على إبرةٍ حين تدور. هكذا أمكن لخليفة بغداد في ذلك الزمن أن يهزم شارلمان بالوقت...وقِيسَ الزمن بالرمل إلاّ أنّ الريح كانت تمحو كلّ شيء إذا هبّت، حتّى الزمن. ثمّ وُلدت الساعات "الحديثة" قبل سبعة قرون لتدقّ نواقيس الغيب والصلوات ومواقع النجوم والمراسم. لكنّها هلكت على الحيطان وأثبتت بالمسامير بينما الزمن طليق أو لا يكون. وكان على الهولنديّ هيوغينس بعد ذلك بثلاثمائة عام، أن يصنع أوّل رقّاصٍ، ليتعلّم الزمن الرقص مثل أبناء هذه الأيّام. ومع الثورة الفرنسيّة وُلِدت ساعة الجيب، إعلانًا عن أنّ من علامات موت الثورة المعلَن في بعض الأزمان أن نحاول وضع الزمن في جيب...ثمّ عرفت الساعة الكهرباء وحجر الكوارتز قبل ثمانين سنة من اليوم، وذرّة السيزيوم، فإذا ساعاتنا أيًّا كان شكلها تضبط الوقت دون أن تحدث أيّ صوت.

بقي أن نطرح سؤالاً عَرَضِيًّا ونحن ننظر إلى هؤلاء الذي يظنّون أنّهم سادة الزمن وأنّهم أصحاب الساعة النهائيّة التي لا أفول لها ولا ذبول:

لقد تبجّح علماؤكم (علماؤنا) بأنّ الساعة القائمة على حجر الكوارتز لا تخطئ أكثر من ثانية كلّ ستّ سنوات، وبأنّ الساعة الذريّة لا تخطئ إلاّ بمقدار ثانيةٍ واحدة كلّ ثلاثة آلاف سنة. فهل كان لابدّ من كلّ هذا الزمن كي يعرف البشر أنّه ما من ساعة دائمة، وما من وقت مضبوط، وما من زمن لاخطأ فيه...

نعود إلى الموضوع (إن كنّا خرجنا منه.)

     وأمّا أنّ الزمن شجرة تتقدّم في اتّجاه الصمت أيضًا، فهو أمر ليس أجمل من أن نقرأ وجوهنا في المرايا كي نتأكّد منه، أو أن نعود إلى كلمات من طينة تلك التي نجدها لدى الإيطاليّ الجميل إيتالو كالفينو في كتابه "مدن الخيال"، وهو يتصوّر أنّ الواحد منّا أو المدينة أو الأمّة، تعيش حاضرها مثلما تعيش ورقة على غصن، وكان يمكن أن تعيش على غصن آخر. يتخيّل إيتالو كالفينو في مدن الخيال ماركو بولو وهو يدخل مدينة فيرى إنسانًا مَا في إحدى الساحات يعيش حياةً أو لحظة كان يمكن أن تكون حياة ماركو أولحظته ذاتها. إنّ له إذنْ ماضيه و"مواضي" غيره التي لم تعد له، وعليه المتابعة حتّى يصل مدينة أخرى حيث تنتظره لدى آخرين سيقابلهم حياة أخرى من حيواته الماضية الممكنة، أي واحدة من حيواته المقبلة أيضًا، الممكنة. وهذا يعني أنّ "المستقْبَلات" التي لم تتحقّق ليست سوى أغصان ماضيه، أغصان ميتة، بقول كالفينو. ميتة بالنسبة إليه لكنّها حيّة بالنسبة إلى الآخر. ويسأل قوبلاي خان ماركو بولو في هذا الكتاب: هل تسافر لتحيا حياتك الماضية ثانيةً؟..هل تسافر لتقابل مستقبلك؟ ويجيب ماركو بولو: المكان الآخر مرآة سالبة يرى فيها المسافر القليل الذي يمتلكه ويكتشف كلّ ما لم يمتلكه ويعرف كلّ ما لن يمتلكه أبدًا...

تلك المرآة هي الصمت الذي نتحدّث عنه والذي هو سلاحنا الوحيد المتبقّي والذي لاقدرة للمنافس على تدميره لنا أو انتزاعه منّا. إنّه سلاحنا الأفضل لاختراق هذا الزمن المعاكس، وللوصول إلى الكلام الذي يقولنا حقًّا، يقول آلامنا وأحلامنا وحاضرنا ومستقبلنا وريشنا الذهبيّ وآبارنا العميقة المرعبة، وكلّ ما لم نمتلكه، إلاّ أنّه ليس طريقًا للإذعان كماركو بأنّنا لن نمتلكه. تلك تراجيديا الحياة التي يتجمّل بها الأدب، لكنّها ليست الحياة التي تتجمّل بها التراجيديا.

 وقد يكون من الطريف أن نعيد قراءة تاريخ البشريّة على ضوء علاقة هذه الأمّة أو تلك بالصمت. الصينيّون شعب صامت وكذلك اليابانيّون. انظر أيّ أدب عظيم أنتجوا وينتجون وأيّ حضارة وأيّ قوّة، وكيف استطاعوا أن يقولوا أنفسهم على الرغم من الجميع وعلى الرغم من الانكسار أحيانًا والاندحار أحيانًا أخرى...

نحن هنا نمدح ذلك الصمت الذي ليس نقيض الكلام بل نقيض الاستمناء الصائت والضجيج الأبكم والثرثرة الخرساء والهجاء الموهم بالمقاومة والحال أنّه من بين "أقنعة الاستسلام" أبرعها في تخطّي الحواجز وخداع البصر والبصائر. نمدح ذلك الصمت الذي به تتكلّم الموسيقى وتتكلّم الحياة عن طريق شفتيها العظيمتين: الحلم والخيال، موقنين أنّ مدن الواقع غدًا، هي دائمًا وكما كانت بالأمس، مدنُ خيالنا (أي صمتنا) اليوم...

 

31-10-2002