|
رحيل
صاحب المعرفة المَرِحة
رحل
منصف الدبّوسي. وقد يسأل
البعض ممّن لا يعرفه ولا
يعرف مكتبته تلك
المتألّقة تحت لافتة
"المعرفة المرحة"
قبالة ساحة برشلونة: من
هو المنصف الدبّوسي؟
إلاّ أنّ أحدًا من عشّاق
الكتب وهواة الكتابة لن
يطرح هذا السؤال. أمّا
أولئك الذين لا يعرفونه
فيكفي أن يعلموا أنّه
كان صاحب مكتبة وناشرًا
من ذلك الطراز الذي حوّل
هذه المهنة إلى فنّ وعشق
ونضال، وهو طراز ضاعَ
قالَبُهُ أو يكاد،
وأنّه كان فوق كلّ ذلك
صديقنا جميعًا، وأنّه
كان صديقهم دون أن
يعرفوه. كان شيئًا من
روح المدينة القارئة،
ولعلّ روح هذه المدينة
قد رحل منها شيء برحيله.
أمّا نحن أصدقاؤه فلا
عزاء لنا مهما كابرنا
وتظاهرنا بالسلوان
وانصرفنا إلى شؤون
الحياة الكثيرة، فقد
كان وجوده إشارة مرور
إلى زوايا في أعماقنا لن
نعرف السبيل إليها
بدونه، بل إنّه من أولئك
الذين قد تخطئ المدينة
بفقدانهم، لأنّك تنظر
إليها في غيابهم فإذا هي
شيء آخر، وقد فقد وجهها
بعض ملامحه وصار عليك أن
تجتهد كي تتبيّن طريقك
فيها.
لن
أنساك يا منصف.
سأظلّ
أراك وأنت واقف على باب
مكتبتك تنظر إلى زحام
ساحة برشلونة وتستنشق
روائحها المخلوطة بدخان
الحافلات وعطور
الرائحات الغاديات
وتستمع إلى تلك
المعزوفة الفريدة
المتكوّنة من جلبة
المارّة وأصوات الألوان
الموسيقيّة المتداخلة
المنبعثة من أكشاك باعة
الكاسيتات وشرفات
البيوت وأبواب المطاعم
والمقاهي، ثمّ تدخل
لتجلس إلى مكتبك في تلك
الزاوية الداخليّة
اليمنى، تتصفّح جريدة
أو تقرأ في كتاب، فإذا
رأيتني ابتسمت في وجهي
وكأنّك تحمل أفراح
الدنيا بين جنبيك،
ودعوتني إلى دردشة قد
تطول وقد تقصر، لكنّها
لا تميل إلى نميمة ولا
تتلوّث بغيبة، بل هي لا
تتعدّى الدعابة والمزاح
ولا تخرج عن حديث
المهووسين بالحياة
والسؤال عن أحوال الناس
والحالمين والشعراء،
وعن أصدقائنا: سليم
والعرف وحكمت ومحمد
والآخرين...
"لماذا
أصبحت لا تزورني كلّ
يوم؟" هكذا كنت
تسألني مبتسمًا في
مَكْرِ من يتوقّع
مسبقًا الإجابة. كنت
تعرفنا بالتفصيل "المملّ":
ماذا نقرأ ومن هم
أصدقاؤنا وأين نحاول
اللجوء من جراحنا
الظاهرة والخفيّة. كنت
تعرف كلّ حِيَلِنا
الصغيرة: كيف نحاول
اختطاف الكتب
والمجلاّت، كيف نحاول
مطالعتها "منجّمة"
متنقّلين من كشك إلى
مكتبة فنقرأ فقرة هنا
وفقرة هناك ونكمل
البقيّة عندك، واقفين،
كأنّنا نهمّ بالشراء،
كيف تحاول أعيُنُنا أن
تهرب حين تضبطنا أنت
متلبّسين بذلك النوع من
المطالعة "الواقفة"،
التي كنّا نسمّيها
ضاحكين "قراءة
الفقراء"، أو "المطالعة
العموديّة"، فيسعفنا
اللسان بكلمات أخرى
تشكو صفر اليد أو ارتفاع
الأسعار، أو ضرورة
تنظيرنا نحن الكتّاب
بموظّفي الخطوط الجويّة
أو عمّال السكك
الحديديّة أو أعوان
شركة الكهرباء الذين
يتمتّعون بنسبة مجانيّة
من الاستهلاك كلّ في
مجاله، أو بتخفيض على
الخدمات التي تقدّمها
مؤسّساتهم للناس، إلاّ
نحن الكتّاب فلا
تخفيضات خاصّة بنا على
الكتب في المكتبات ولا
حتّى على الأقلام
والكراريس التي نشتريها
لأطفالنا الصغار. وكنت
تبتسم وتومئ برأسك
موافقًا ثمّ تتشاغل
رأفةً بنا متظاهرًا
بترتيب رفّ أو تقليب
كتاب...ثمّ تسأل وكأنّ
شيئًا لم يكن: لماذا
أصبحت لا تزورني كلّ
يوم؟...تُرَى هل كنت تعلم
أنّي طالما مررتُ من
هناك، فغيّرتُ طريقي
ناحية نهج شارل دي غول
أو شارع قرطاج كي لا أرى
مكتبتك فأدخل كاسيًا
وأخرج عاريًا إلاّ من
مجموعة أخرى من "صخور
سيزيف" تلك التي
تُدعى كُتُبًا، وكأنّ
مكتبتك ذاك الجبل من حجر
المغناطيس الذي ورد
ذكره في حكايات ألف ليلة
وليلة، وكأنّ جسدي
سفينة من تلك التي كانت
المياه تجرّها غصبًا
إلى جهة الجبل،
فتتمزّق، ويروح كلّ
مسمار فيها إلى حيث يريد
له ذلك الحجر اللعين...
وأذكر
أنّك أدهشتني يومًا
وسقيتَ في روحي زهورًا
من المودّة لن تذبُل
ما حييت،
وكنتُ أحاول
استدراجك إلى النظر
بعيدًا عمّا بين يديّ،
ولعلّي كنت "أطالع
عموديًّا" كالعادة،
فسألتك: لماذا اكتفيتَ
ببيع الكتب وتوزيعها
ولماذا لم تعد مهتمًّا
بالنشر؟ فأجبتني بعد
لحظة صمت طويلة: "ماذا
يساوي كتابٌ ليس له
فضيلةُ أن يحملنا إلى ما
وراء جميع الكتب؟"
تُرى،
كم نملك في البلاد
العربيّة من ناشر أو
صاحب مكتبة، يستطيع أن
يذكر هذا السطر لنيتشة؟
لن
أنساك يا منصف.
وقلتَ
لي ذات يوم: " يتغيّر
كلّ شيء ونحن لا نتغيّر
يا آدم، مازلنا نحبّ
الكتب ونتابع المعارض
ونحلم الأحلام نفسها
ونقترف الغباء نفسه."
هكذا
قلت لي في الدورة
الأخيرة لمعرض الكتاب
بتونس، وكان جسدك قد غدر
بك فتحاملتَ على نفسك
وحافظتَ على حضورك
اليوميّ في المعرض
بكرسيّك النقّال وعلى
الرغم من كلّ شيء. رأيتَ
في عينيّ دموعًا تريد أن
تطفر وفهمتَ أنّي
أغالبها كي لا تحسّ أنت
بأنّي مشفق أو خائف عليك
فأخذتني من يدي ورويتَ
لي آخر نكتة ثمّ حدّثتني
عن نفسي كي لا أذكّرك
بنفسك، ثمّ تهتَ بي في
تلك الأسئلة المتشعّبة
التي لا تتوقّع لها
إجابة. لكم تعلّمت منك
بقدر ما تعلّمت من كتبك.
يومها،
أذكر جيّدًا، سرحت
عيناك في أروقة المعرض
وبدوتَ لي سعيدأ وأنت
تستنشق رائحة الكتب
وترى الازدحام على
الكتاب، وكأنّك تريد أن
تشبع من كلّ ذلك قبل أن
ترحل، وكأنّك تريد أن
تأخذ كفايتك منه زادًا
لطريق لا أحد رجع منها
كي نعرف إلى أين تصل ولا
كم تطول، فسألتني في
هيئتك تلك التي تجمع بين
الجديّة والسخرية في
لطف آسر: "كيف استطعت
أن تبقى كما أنت؟ وكيف
استطعت أنا أن أبقى كما
أنا؟ أتابع كتاباتك
وأراك في التلفزيون
وأسمع أغانيك تنبعث من
الأكشاك ولكنّي أحسّ
أنّك أنت هو، أحسّ
بالأحلام نفسها تخرج
بطرق أخرى، ولكنّها
تذكّرني دائمًا بذاك
الفتى الذي كان يأتيني
يومًا بعد يوم في مطلع
الثمانينات ولم أكن
أعرف اسمه، فيقلّب
الكتب ويتنهّد ثمّ يدخل
يده إلى جيبه فيعدّ
نقوده وأحيانًا يشتري
وأحيانًا يحمل تنهيدته
ويخرج، ليشتري بنقوده
القليلة بيضة مسلوقة من
بائع البيض المقابل أو
"كعبة فريكاسي" من
الدكّان المجاور. وكنت
أراقبك صامتا عن بعد
لأسأل عنك بعد أن تخرج،
فإذا أحدهم يقول لي
ساخرًا: إنّه أحد
الممسوسين الذين
يتصوّرون أنّهم سيصبحون
كتّابًا ذات يوم واسمه
آدم فتحي، ألا تعرفه؟"...
هنا
تقف أنت بالحكاية
يامنصف، لأنّك تخاف
علىّ من أن أتذكّر
بقيّتها فيعود الوجع
إلى الروح. لكنّ الوجع
لم يغادر الروح يا صديقي.
إنّه توأمي الحميم الذي
يرتدي معي ملابسي كلّ
صباح ويضع رأسه على
وسادتي كلّ ليل ويمنحني
النخاع الشوكيّ الوحيد
القادر على جعل هذا
الظهر لا ينحني للرياح...لذلك
سأظلّ أكمل عنك الحكاية
كأنّي أعيشها كلّ صباح.
رأيتني يومها أخرج
وسألت عنّي وعلمت عنّي
أشياء، وحين لمحتني من
الغد اقتربتَ منّي
ورجوتني أن أحمل ما أريد
من الكتب وخيّرتني بين
أن أعيدها إليك وأن أدفع
لك ثمنها عندما يفرجها
الله. ثمّ وُلدت صداقة
لم تنقطع حتّى رحيلك ولن
تنقطع برحيلك. وها أنا
أراك تسألني من جديد:
" ها أنّي ما زلتُ
أتابع المعارض وأبحث عن
الكتاب النيّر وأرفض
بيع الكتب الحجريّة
مهما كانت أوفر ربحًا
وأكثر رواجًا، فكيف
استطعنا أن نصبر على
حبّنا للكتاب وقد شبنا
ولم يعد الكتاب سيّد
المشهد ولم يعد
لمفرداتنا الحالمة وجود
في قاموس اليوم؟ هل نحن
على خطأ أمّ أنّ العالم
على خطأ يا آدم؟" ترى
كم طرحت عليّ هذا السؤال
من مرّة، وكم مرّة لذنا
بالصمت أمام سؤالك،
لأنّي لم أكن أملك إجابة
ولأنّك لم تكن تنتظرها
منّي ولأنّنا نعرف
أمرًا واحدًا: أنّنا
هكذا يجب أن نكون...
لن
أنساك يا منصف، فإنّي ما
دخلتُ بيتي وما جلستُ في
مكتبتي ولا خَلَوْتُ
إلى أصدقائي الآخرين
الذي لن يوجعوني يومًا
بغيبة ولن يغدروني
بغياب: جلجامش وجبران
وكافافي والسيّاب
وبودلير والمتنبّي
وناظم حكمت والدوعاجي
وبورخيس والنواسيّ
وكارل ماركس وابن خلدون
ونيتشه والشابّي
وغيرهم، إلاّ ذكّروني
بك وسألوني عنك، لأنّ
أكثر كتبهم التي لم أظفر
بها لدى باعة الكتب
القديمة في نهج
الدبّاغين أوغيره من
مغارات علي بابا
الخاصّة بأمثالي من
الممسوسين، اشتريتها من
مكتبتك، وستظلّ تحمل
أثرا من أنفاسك التي
طالما أدفأتني أيّام
البرد وليالي الوحدة.
إلى
اللقاء يا صديقي، حيث
أنت، وكلّ كتاب وأنت
بخير...
7-11-2002
|