آداب المؤاكلة...السياسيّة

 لم أكن أعرف شيئًا عن الشيخ بدر الدين محمد الغزّي العامريّ الدمشقيّ، الفقيه الشافعيّ ذي المؤلّفات العديدة وأحد أكبر أعلام القرن العاشر الهجريّ السادس عشر الميلاديّ، حتّى قرأت رسالته في آداب المؤاكلة، فإذا أنا أكتشف أنّ "الحبّ من النظرة الأولى" له أخ توأم أو لعلّه ابن عمّ شقيق اسمه "الحبّ من القراءة الأولى". بل إنّي أحببت هذا الأثر قبل الفراغ منه، أي ما أن قلّبت صفحاته الأولى، وتلك "لوثة" لا تصيب الواحد منّا إلاّ نادرًا بسبب ندرة هذا النوع من الكتب في هذا الزمان، ولا أدري إن كان ذلك من حسن الحظّ أم من سوئه...

والمؤاكلة هي كما لا يخفى على أحد (أو هكذا أرجو) هي أن تأكل مع الجماعة، أي أن تشارك الآخرين الطعام وتقاسمهم "الماء والملح" وأشياء أخرى. وفي هذه الرسالة يُحصي بدر الدين الغزّي الدمشقيّ قرابة الثمانين عيبًا من عيوب المؤاكلة، في لغة تجمع إلى خفّة الروح معجمًا حيًّا نابضًا مرصّعا بالكثير من الدارج والدخيل والمنحوت في تناغم تامّ، ودون سجع ولا صنعة ظاهرة.

وقد جعل لكلّ عيب اسمًا يشير إلى صاحبه، فإذا نحن أمام بشر من لحم ودم نكاد نراهم ونكاد نرى من خلفهم الحياة والمجتمع في عصرهم. بل نكاد نراهم في عصرنا وبين أيدينا. من ذلك "المبعبع"، وهو حسب الغزّي: "الذي إذا أراد الكلام لم يصبر إلى أن يبلع اللقمة، لكنّه يتكلّم في حال المضغ فيبعبع كالجمل." و"المُفرقع"، وهو "الذي لا يضمّ شفتيه عند المضغ، فيُسمَعُ لأشداقه صوت من باب بيته." ومن هؤلاء من تقوم عيوبه في الأكل مع الجماعة مقام الحيلة تلو الحيلة، يناور بها على الآكلين وفي ظنّه أنّهم في غفلة عنه، فإذا هو مكشوف مفضوح في رسالة الغزّي. من ذلك "المصفّف"، وهو "الذي يقوم ويتشمّر عند حضور المائدة، ويصفّف الصحاف والأطعمة يوهِمُ أنّ هذا خدمة للحاضرين، وليس كذلك، بل لينظر في الألوان ويجعل الطيّب منها في مكانه." و"المُشْغِل"، وهو "الذي يَشْغَلُ رغيفًا ليمنع غيره من أكله، فإذا رأى الخبز نقص أسرع في البلع ولو كاد يغصّ." والقائمة طويلة...

وعلى الرغم من أنّ في هذا كلّه ما يغري بمحبّة هذا الأثر واستلطافه، فإنّ ما حبّبني فيه شيء آخر مختلف تمامًا. وهو شيء متّصل بعيب خاصّ بي وبمخيّلتي اللعينة، التي تعمل على طريقة الأواني المثقوبة المتنافذة، التي يفتح بعضها على بعض، والشبيهة بتلك المكتبة العجيبة التي حلم بها المأسوف على شيخوخته بورخيس. ومجمل القول في هذا العيب الشخصيّ أنّي ما ظفرتُ بشيء صالحٍ لشيء إلاّ أهملتُ الشيء الذي هو صالح له واعتنيت بتحويل وجهته إلى "مآرب أخرى". حتّى ذهب بي الظنّ أحيانًا إلى أنّ عبارة "وله في الشيء مآرب أخرى" قد تمّ اختراعها من أجلي أنا شخصيًّا دون سائر الخلق أجمعين...

وجليّة الخبر أنّي رأيت هذه الكرة الأرضيّة قد أصبحت مائدة بحجم الكون، بعض البلاد فيها أطباق شهيّة بين يدي البعض. ثمّ نظرت فإذا الكلّ فيها إمّا آكل وإمّا مأكول فصحّ عندي أنّ تلك هي العولمة دون شكّ. ثمّ أمعنت النظر فإذا المأكول إمّا مأكول مطلق وإمّا مأكول به أو مأكول معه إلى آخر القائمة. ممّا ذكّرني بفصل من أروع فصول كتاب سليم دولة "الجراحات والمدارات"، وهو الفصل الموسوم بالمهول في أخبار الإنسان الآكل والإنسان المأكول، والذي استفتحه بمقتطف من كتاب الإفادة والاعتبار لعبد اللطيف البغدادي، وقد جاء فيه انّه "قد رُئِيَ مع عجوز صغيرٌ تأكله فاعتذرت بأن قالت إنّما هو ولد ابنتي وليس بأجنبيّ، ولأن آكله أنا خيرٌ من أن يأكله غيري...". فإذا أنا لا أقرأ فقرة من رسالة الغزّي إلاّ لمحت من ورائها شبحًا لخوذة أمريكيّة أو قبّعة أوروبيّة يمسح صاحبها ما سال على ذقنه من دم آسيويّ  أو إدامٍ إفريقيّ. انظر قوله في "المشنّع"، وهو "الذي يجعل ما ينفيه عن طعامه من عظامٍ أو نَوَى تَمْرٍ وغيره بين يديْ جاره، تشنيعًا عليه بكثرة الأكل." ألا ترى معي بين السطور "مشنّعين" جددًا في زيّ رعاة البقر، يلقون بالنوى "النوويّ" بين يدي أحفاد بوذا أو جلجامش، ثمّ سرعان ما يجاهرون بالتشنيع؟ وانظر قوله في "المفرّق"، وهو "الذي يفرّق اللحم والكباب ليختفيا عن أعين الأصحاب، ثمّ يغوص خلفهما بالملعقة مسارعًا في أخذهما خفية." ألا يكفي أن تعوّض الكباب بالإرهاب، كي ترى هذا "المفرّق" في أكثر من جغرافيا سياسيّة راهنة، يخفي بضاعته في موضع ليغوص خلفها في موضع آخر؟

لهذا كلّه أحببت هذا الكتاب وأحببت صاحبه وابتهجت بهما أيّما ابتهاج. ولسائل أن يسأل: قد فهمنا أنّك أحببت الكتاب وصاحبه، ولكن ما سرّ ابتهاجك بهما ودعوتك لهما؟ والجواب واضح. لقد صارت الأرض مائدة كبيرة للآكل والمأكول، وصار من الطبيعيّ أن تترك منظّمة "الأمم المتّحدة" مكانها لمنظّمة "الأمم المتآكلة"، ولابدّ لهذه المنظّمة الجديدة من دستور جديد، وليس أصلح في نظري من آداب المؤاكلة للغزّي الدمشقيّ قاعدة لهذا الدستور...فذلك على الأقلّ، أفضل من أن يبقى المأكولون على أوهامهم، يناشدون الله في آكليهم قائلين:

اللهمّ إنّنا لا نسألهم الكفّ عن أكلنا، ولكنّنا نسألهم اللطف فيه...

14-11-2002