آدم فتحي: حضور الشاعر

متى يستطيع الشاعر المغنّي أن أن يجعل القاعة قطعة من رخام المرمر، ويحيل الجمهور إلى روح واحدة في توحّد العشق، يشدّها إلى شفاهه تتشرّب الكلمات كأنّما ترتشف حبّات المطر والندى؟ عندما يمسّ الجرح ويعزف على وتر القلوب بالمعنى الغافي أو المتوحّد في أركانها البعيدة، ويعصف بنكهة السرّ:

"....قد تمرّ الرياح على قَرْيَةٍ مَا

فتَحْمِلُ مِنْها قَلِيلاً

صَرِيرَ الزَرَائِبِ أو نَوَسَانَ القِبَابْ

أو غِيَابَ قَطِيعٍ أخيرٍ وراءَ ضَرِيحٍ أخيرْ...

        الرِياحُ إِذَنْ لَيْسَ مَا لاَ يُرَى

        الرِياحُ قُرَى..."

ولأنّ الشاعر يستمع إلى الرياح ويرى أجسادها في الناس، يرى غضبها، همسَها، حُزنَها، أسرارَها، فهو يُشكِّلُها كما يشاء من مشهده اليوميّ العابق بروائح البشر والأشياء. الرياحُ قُرى...ولأنّ المشهد قد بلغ من الحقيقة مداه، فقد انفضح كلّ شيء، وكشف الشعر سحر الساحر:

"...مَشْهَدٌ يَتَعرَّى بِنا واضِحًا فاضِحًا

حَيْثُ لاَ أحَدَ الآنَ يُخْفِيهِ عُرْيُ أَحَدْ..."

وتتحوّل القاعة وجمهورها إلى إلى قلبٍ مُعلَّقٍ في شفتَيْ الشاعر ونبضه، فقد درج في صَلاتِه وتحوّلت الأمسية إلى طقس تسبح فيه أرواحُ من مضَوا، الشهداء والأمّهات والموسيقى وخَفْقُ القلب...

ذلك ما فعله الشعر بناس الأمسية في المُجمّع الثقافيّ، مساء الإثنين...معزوفات من شجن الروح ومحاكمة اللحظة المريضة في المشهد العربيّ العجميّ المشحون بخبز الأعداء ودمهم عند آدم فتحي، فلا عجب أن يطفر الدم من العيون وأن يُكحّل الألم ألْمُومَات الخيال والوجد في جسد، وها هو القتلُ يَصْفَعُنَا:

"...مثل جْذْعٍ قَدِيمٍ على حافةٍ تَبْتَعِدْ

وهو يُوغِلُ في عَدَمِ المَوْتِ كَانَ

يَمُوتُ طَوِيلاً