آدم فتحي: نشيد أشبه بقدّاس

 

...أمّا الشاعر آدم فتحي فقرأ قصيدة مطوّلة تبدو عن محمّد الدرّة لكنّها عن كلّ طفلٍ يُحْرَمُ مِنْ حقّ الحياة، وحين يموت يتدافع الناس إلى تمجيده وكأنّ موته ضرورةُ المعنى للشاعر ولازِمَةُ الحياة للموتى.

القصيدة ذات مشهديّة عالية، متوتّرة، ضاجّة، ومع ذلك لا شعارات فيها ولا هتافات ولا مزايدات، بل شعر صافٍ رائق ينبع من الروح. وكأنّ الشاعر يغترفه من قاع وجعه الحقيقيّ. وهي واحدةٌ من الكتابات النادرة التي كُتِبَتْ عن الدرّة وتستحقّ أن تُسَمَّى قصيدة، وأن تحمل اسم الشعر.

القصيدة تبدأ على النحو التالي:

"...مَشْهَدٌ طالِعٌ مِنْ جَحِيمٍ على العَيْنِ أنْ تَتَثَبَّتَ

مِنْ أَمْرِهَا قَبْلَ أَنْ تَتَغَمَّدَهُ بالعِيانْ..."

ثمّ يأتي الدخول المهيب ليس من خلال الطفل بل من خلال الجدار الذي اتّكأ عليه الطفل ووالده لحظة الشهادة، وكأنّ الجدار هو الشاهد:

"...الجِدَارُ أمامًا (جِدَارٌ كَشَاهِدَةِ القَبْرِ) طِفْلٌ يُغَالِبُ عَثْرَتَهُ (كانَ أَعْزَلَ) قُرْبَ الجِدَارِ أَبٌ يَتَلَفَّتُ مثْل الطرِيدَةِ (كان يَمُدُّ يَدَيْهِ إلى جِهَةِ الصَيْدِ) أصْواتُ شَمْسٍ وظِلٍّ (تُهَيِّئُ طَقْسَ الجَنَازَةِ) حَوْلَ الجِدَارِ تَلُوحُ المَرَايَا يُحاصِرُهَا الرُعْبُ (مَوْجٌ من النارِ أَزْرَقُ) يَقْتَرِبُ الطِفْلُ مِنْ قَبْرِهِ (كان طِفْلاً وأَعْزَلَ) يَطْوِي أَبُوهُ جَناحًا على زُرْقَةِ النارِ (يَفْتَحُ آخَرَ) تَبْدُو الظِلالُ صَوَارِيَ أضْرِحَةٍ أو مَراكِب (تَغْرَقُ في الرُعْبِ تَلْهُو الرياحُ بِشَهْوَتِهَا وهي تَغْرَقُ تَلْهُو الرياحُ بْشَهْوَتِهَا وهي تُوشِكُ أنْ...)..."

ويستمرّ المشهد ويتصاعد في نشيد أشبه بقدّاس عتيق هرب من مزمار العصور الأولى:

"...سلامٌ عليكَ أبانَا الذي في الغِيابِ

سلامٌ على أمّ طفْلِكَ وهي تودّعُهُ في الصباحِ

وتُسْلِمُهُ لِصَفِيرِ الرياحِ

وتَأْمَلُ أن يتعلَّمَ قَبْلَ ضَلاَلِ المَسَافَةِ

كيف يموتُ ويُولَدُ

كيف يَموتُ لِيُولَدْ

سَلامٌ عليك مُحمَّدْ

أَضَعْنَا حياةً ونَيْفَا

وضِعْنَا شِتاءً وصَيْفَا

ولَمْ نَرَ مثْلَكَ سَيْفَا

يَطُولُ بِنَا وهو مُغْمَدْ..."

تتداخلُ الحكمة بالمعرفة بالسؤال الشخصيّ بالذاتيّ بالوطنيّ في هذه القصيدة، ويمتاح الشاعر من طفولته مشاهد كثيرة، يمتاح من طفولة ابنته، يتماهى مع درس الحياة في عمقه المهلك: 

"...قد تَقُودُ الخُطَى ذاتَ يَوْمٍ

إلى هَدَفٍ مَا

نَوافِذِ صَاحِبِهَا

(كُتْبِهِ وهو يُحْكِمُ إِغْلاقَها كيْ يَنامَ)

طرِيقَتِهِ في اختصارِ الخُطَى

(شَكِّهِ في طُلوع الصباحِ)

تَثاؤُبِ قِطَّتِهِ وهو يطْبَخُ قَهْوَتَهُ

(أَلِفَتْ أن تنام على رُكْبَتَيْهِ وتنساهُما)

قد تقُودُ الخُطى ذات يومٍ

إلى هدفٍ مَا

ولكنّها أبدًا

لن تَقُودَ إلى نفسِها..."

القصيدة كما ذكرتُ طويلة، ومليئة ومكتنزة بدلالات يصعب الإحاطة بها في هذه العجالة، وهي تحتاج بحقّ إلى وقفة أخرى تقرأ فيها قراءة متأنّية تستخرج مدلولاتها وإحالاتها المختلفة.

شهيرة أحمد

الاتّحاد.أبوظبي.11.4.2001