آدم فتحي: التميّز

إنّ الإضافة في مجال الأغنية، إذا لم تكن من المنطلق، فإنّ الأغنية عمومًا لا تتقدّم إلى الأمام، وتبقى منقوصةً تدور في حلقة مُغلقة.

والمُنطَلَق في الأغنية كما هو الشأن في كلّ عمل إبداعيّ هو النصّ، من الفكرة إلى الطرح إلى شكل الكتابة وقاموس الكلمات. فالنصّ يبقى على الدوام الأساس والركيزة، وأيّ بناء مهما تعالى وسَمَا لا يستقيم ولا يدوم إذا لم يكن مُقامًا على أسس ثابتة ومتينة.

وما جاء به الشاعر الموهوب والفنّان الرقيق آدم فتحي في السنوات الأخيرة من كلام غنائيّ عذب ومفاجئ ومذهل، يمثّل بحقّ الإضافة والانطلاق بالأغنية التونسيّة إلى مراحل جديدة وآفاق رحبة، لأنّه فعلاً جاء بالجديد على مستوى الأفكار المطروحة. وهي أفكار ذات مفاهيم وأبعاد وجدانيّة إنسانيّة تغوص في عمق الذات وتحرّك مكامن النفس وتعزف على أوتار الذاكرة ودقّات القلوب، فإذا نحن فيها بطفولتنا وأحلامنا وطموحاتنا وكلّ ما حولنا. إنّها نحن. تجرّنا إليها تراكيب لفظيّة من السهل الممتنع، تمتاز بالعذوبة والصُوَر التي نعشقها دون أن نجد لهذا العشق تفسيرًا، حتّى إذا انطلقت من حنجرة فنّاننا الكبير لطفي بوشناق في كساء لحنيٍّ متميّز، كان لها في القلوب وقْعٌ وأيّ وقع.

وتميُّزُ آدم فتحي ليس مردّه الموهبة وحدها، لكن، وأنا أعرف الرجل جيِّدًا منذ سنوات، أقول إنّ هذا التميّز وراءه مرجعيّة ثقافيّة ثريّة ورصيد إبداعيّ زاخر، وبالتالي، فهو مسكون بهاجس الإضافة لأنّ منطلقاته ثابتة ولأنّه متمكّن من فنّه عاشق له.

ومن حقّه علينا أن نقول إنّه الشاعر الذي يؤسّس لمرحلة جديدة في الأغنية التونسيّة.

أحمد عامر

الصدى.تونس.3-8-1996