من كتاب "تاريخ الأدب التونسيّ الحديث والمعاصر" إعداد مجموعة من الباحثين

 «  بيت الحكمة »

 ...الريح الإبداعيّة الثالثة:

لقد تشكّل هذا الاتّجاه أثناء الملتقى الأوّل للشعر بالحمّامات وضمّ الشعراء الذين خرجوا على الطاهر الهمّامي إمام المنحى الواقعيّ، والمنصف الوهايبي مؤسّس الاتّجاه الكوني القيرواني، وابرزهم منصف المزغنّي ومحمد بن صالح ومحمد العوني وآدم فتحي وسوف عبيد (ويمكن أن نلحق بهم الشاعرين الصاعدين أولاد أحمد وجمال الدين حشّاد ) أولئك الذين رفضوا أن تكون الإيديولوجيا قادرة وحدها على خلق الفنّان وأن يكون استلهام التراث شرطا أساسيًّا للإبداع، بل اعتبروا الإبداع متوقّفًا أساسًا على تحقيق المعادلة الصعبة التالية: الجودة الفنيّة والرؤية العميقة المتفرّدة ومن ثمّة قدّموا اتّجاههم على أنّه النقيض الإيجابيّ للتيّارين السالفي الذكر...

أمّا آدم فتحي فقد اتّخذ اللغز قالبًا صاغ فيه قصيده المطوّل الذي أودعه كتابه "سبعة أقمار لحارسة القلعة"، وصورة هذا اللغز أنّ جملة الأبيات التي تضمّها المجموعة تؤلّف خمسة ألواح تركها "يسادم" عند الباب "عليها كتابة قيل إنّها أوّل الكلام، يخفى عن البصر، كلّ من قرأها دون ذلك بلغ سرّ الأسرار." وإذا استثنينا بعض الرموز التي تتكرّر مثل "يسادم، خضراء، القلعة، الأقمار" فإنّ لغة الشاعر السرياليّة القائمة على توليد الصور لَتَجْعَلُ من هذا الكتاب أقرب ما يكون إلى جنس "الكتابة الآليّة" أو ما يسمّيه السرياليّون "الجثّة اللذيذة" le cadavre exquis

تونس 1993